إعلان

وعي المجتمع… من الضرورة إلى المصير

مصطفى صلاح

وعي المجتمع… من الضرورة إلى المصير

مصطفى صلاح
07:00 م الخميس 05 فبراير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

في الأزمنة التي تتكاثر فيها الأصوات وتضيع المعاني، يصبح الوعي الجمعي هو الخط الفاصل بين مجتمع قادر على الحياة، وآخر يسير متعثرًا نحو التيه. فالمجتمع لا يقوم فقط على توازنات اقتصادية أو نظم إدارية، بل يتأسس في جوهره على ما يحمله أفراده من فهم للعالم، وما يستقر في وجدانهم من قيم، وما يتوارثونه من طرق التفكير والتصرف. من هنا، لا يعود الحديث عن تثقيف المجتمع ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية تفرضها تعقيدات الواقع وتحولاته المتسارعة.

ما يحكم العلاقات بين الناس ليس دائمًا القانون المكتوب، بل تلك المنظومة غير المرئية التي تتشكل عبر الزمن، وتُعيد إنتاج نفسها في التفاصيل اليومية: في طريقة الحديث، وفي أسلوب الخلاف، وفي نظرة الفرد إلى الآخر المختلف عنه. حين تكون هذه المنظومة قائمة على الفهم والمعرفة، يميل المجتمع إلى التماسك والتعقل. أما حين تكون مشوهة أو فقيرة، فإن السلوك العام ينزلق نحو العنف، أو اللامبالاة، أو التبرير الدائم للأخطاء.

تثقيف المجتمع، في معناه العميق، هو عملية تحرير للعقل من الأسر، لا تلقينًا للمعلومات. هو نقل الإنسان من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الشريك الواعي في تشكيل الواقع. الإنسان الذي يمتلك حدًا أدنى من الوعي يصبح أقدر على التمييز بين الشائعة والحقيقة، وبين الخطاب الصادق والخطاب المضلل، وبين ما يخدم مصلحته العامة وما يستنزفها. وبهذا، يتحول الوعي إلى أداة حماية ذاتية، تحصّن المجتمع من الانقياد الأعمى.

من الإيجابيات الواضحة لارتفاع منسوب الوعي العام أنه يعزز فكرة المسؤولية المشتركة. فالفرد الواعي لا يرى نفسه معزولًا عن محيطه، بل يدرك أن سلوكه الخاص ينعكس على الجماعة كلها. فيحترم القانون لا خوفًا من العقوبة، بل اقتناعًا بجدواه. ويحترم الآخر لا مجاملة، بل إيمانًا بأن الاختلاف شرط أساسي للتعايش. هكذا، يصبح النظام الاجتماعي نابعًا من الداخل، لا مفروضًا من الخارج.

كما يسهم التثقيف في تهذيب الذوق العام، وهو جانب كثيرًا ما يُستهان به رغم خطورته. الذوق ليس مسألة جمالية فحسب، بل هو مؤشر على مستوى الوعي. مجتمع يتذوق الفن الحقيقي، ويفهم الكلمة، ويقدّر المعنى، هو مجتمع أقل قابلية للانحدار، وأكثر قدرة على مقاومة الابتذال. وحين يرتقي الذوق، ترتقي معه لغة الحوار، وتنخفض حدة الصراعات، لأن الناس تتعلم التعبير عن نفسها دون فجاجة أو إسفاف.

لكن الصورة لا تخلو من سلبيات حين يغيب هذا المسار أو يتعطل. فالمجتمع الذي لا يستثمر في وعي أفراده يترك المجال مفتوحًا لهيمنة الأفكار السطحية. تنتشر الأحكام الجاهزة، ويصبح التعميم بديلاً عن الفهم، ويتحول الرأي الشخصي إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. في هذا المناخ، يسهل إشعال الفتن، وتبرير الفشل، وإلقاء اللوم دائمًا على الآخر، أيًّا كان هذا الآخر.

الأخطر من ذلك أن غياب التثقيف يسمح بإعادة إنتاج السلوكيات السلبية عبر الأجيال. فالطفل الذي ينشأ في بيئة ترفض السؤال، وتخشى التفكير النقدي، يكبر وهو يحمل الخوف نفسه، ويعيد نقله بدوره إلى غيره. وهكذا، تتجذر الأزمة، ويصبح التغيير أشبه بمحاولة السباحة عكس تيار جارف. هنا لا يكون الخلل في الأفراد وحدهم، بل في المناخ العام الذي لم يمنحهم أدوات الفهم.

ولا يعني الحديث عن تثقيف المجتمع الدعوة إلى نموذج واحد للفكر أو السلوك، بل على العكس، هو اعتراف صريح بالتعدد والاختلاف. الوعي الحقيقي لا يُلغي التنوع، بل ينظمه، ويحوّله من سبب للصراع إلى مصدر للثراء. حين يتعلم الناس احترام وجهات النظر المختلفة، ويعتادون الحوار بدل الإقصاء، يصبح المجتمع أكثر قدرة على استيعاب تناقضاته دون أن ينفجر من الداخل.

التاريخ يقدم شواهد كثيرة على أن المجتمعات التي راهنت على الإنسان نجحت في تجاوز أزماتها، حتى في أشد الظروف قسوة. لم تكن النهضة يومًا نتاج قرارات فوقية فقط، بل ثمرة تراكم طويل من الوعي، شارك فيه المفكر والمعلم والفنان والإعلامي. كل كلمة صادقة، وكل عمل فني نزيه، وكل درس يحرّض على التفكير، هو لبنة في بناء مجتمع أكثر توازنًا.

في النهاية، يمكن القول إن تثقيف المجتمع ليس مشروعًا مؤقتًا، بل مسارًا طويل النفس، يحتاج إلى صبر وإيمان. هو استثمار في المستقبل، وحماية للحاضر، واستعادة لمعنى العيش المشترك. فالمجتمع الذي يختار الوعي طريقًا له، يختار أن يكون فاعلًا في تاريخه، لا مجرد شاهد عليه، وأن يصنع مصيره بقدر ما يستطيع، بدل أن يتركه رهينة للصدفة والجهل.

إعلان

إعلان