جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
أول أمس، سرحت "واشنطن بوست" 300 صحفي دفعة واحدة، ضمن إجراءات تقشفية للمؤسسة للسيطرة على أزمتها المالية. وترجح المؤشرات أن واشنطن بوست لن تكون سوى مقدمة القاطرة الصحفية في 2026.
فما كنا نتصوره ضرورة للتطور ومواكبة التغيرات التكنولوجية، يبدو أنه صار ضرورة للبقاء والوجود. غير عمالقة التكنولوجيا كل قواعد اللعبة القديمة، ووضعوا الصحافة تماما في زاوية الحلبة، ولا مفر أو نجاة لمن يصر على أوراق اللعبة القديمة.
ترجح مؤشرات تقريرReuters Institute : "اتجاهات الصحافة والتكنولوجيا في 2026" أن عام 2026 سيكون عاما عاصفا على الصحف والمواقع الإخبارية. قد تغلق مؤسسات إخبارية كبرى أبوابها، وتندمج أخرى، أو تضطر مؤسسات جديدة إلى تسريح أعداد كبيرة من صحفييها. وبالقطع، قد ينجو من يتكيف، ويخلق فرصا للتوسع والنمو وسط الأزمة.
تدخل المؤسسات الصحفية 2026 منهكة بعد معاناة كبيرة في 2025 بسبب تراجع ثقة الجمهور في الأخبار، وتغول عمالقة التكنولوجيا على الصناعة، لتواجه تحديات أضخم.
ماذا حدث في 2025 ويحدث في 2026؟
🔹 ثقة الجمهور في الأخبار تتراجع مما يعمّق تجزئة الجمهور والتحديات التحريرية.
🔹 ملخصات الذكاء الاصطناعي في البحث مثل: AI Overviews/ChatGPT / Google AI Responses تسحب الزيارات من مواقع الأخبار التقليدية.
🔹 الاقتصاد الإبداعي (Creator Economy) يغير شكل التفاعلات ويُعطي دورًا أقوى للمصادر الفردية.

أحد أبرز ما يلفت إليه تقرير رويترز، الذي كشفت المؤسسة ملامحه في ندوة عبر الإنترنت يوم 27 يناير الماضي، هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة مساعدة داخل غرف الأخبار، بل أصبح جزءًا بنيويًا من صناعة المحتوى وتوزيعه. المؤسسات الإعلامية باتت تستخدمه في أتمتة بعض مراحل الإنتاج، وتحليل البيانات، وتخصيص المحتوى، بل وأحيانًا في تقديم ملخصات إخبارية للجمهور. لكن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر تتعلق بالهوية التحريرية، والمصداقية، والاعتماد المفرط على الخوارزميات.
✳️ الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمل الصحفي
• هناك تحول من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة إلى أن يصبح جزءًا من بنية صناعة الأخبار نفسها.
• AI يستخدم ليس فقط في أتمتة المهام، بل أيضًا في تطوير منصات إنتاج وتوزيع المحتوى.
• المستجيبون في الدراسة يرون تأثيرًا عميقًا في تدفق العمل داخل غرف الأخبار.
واقتصاديًا، تعكس مؤشرات تقرير رويترز حول الصحافة والتكنولوجيا في عام 2026 تشاؤمًا واسعًا داخل قيادات المؤسسات الإعلامية. أقل من 40% من المشاركين أبدوا تفاؤلهم بمستقبل الصحافة، في ظل تراجع الثقة العامة بالأخبار، وتجزئة الجمهور، والضغوط المتزايدة من شركات التكنولوجيا.
أقل من 4 من كل 10 رؤساء تحرير ومدراء وقيادات إعلامية يشعرون بالتفاؤل تجاه مستقبل الصحافة.
الأسباب تشمل تضخم تأثير منصات الذكاء الاصطناعي، تراجع الثقة العامة، وتجزئة الجمهور.
الصحافة تواجه ضغوطًا اقتصادية مع توقع تراجع إحالات الزوار من محركات البحث والشبكات الاجتماعية.
ويشير التقرير بوضوح إلى أن الزيارات القادمة من محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي مرشحة لمزيد من الانخفاض، خصوصًا مع توسّع ما يُعرف بـ”اقتصاد الإجابات” (Answer Economy)، حيث يحصل المستخدم على المعلومة مباشرة عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة للنقر على الموقع الإخباري.
• تراجع بحث جوجل في 2025 بنسبة 33.3% في المتوسط حسب كل دولة.. ووصل التراجع في أمريكا لـ38%
• يتوقع الناشرون مزيدا من التراجع بنسبة تصل لـ43% خلال الـ3 سنوات القادمة، نتيجة ِAI overview(Zero Click)- chatGPT search


السوشيال ميديا وأزمة منتصف العمر
لم تتوقف العاصفة على جوجل، فالسوشيال ميديا تمر هي الأخرى بأزمة منتصف العمر، باتت أقل اجتماعية: الناس يستخدمونها حاليا بشكل أكبر في: متابعة المشاهير، ثم ملء وقت الفراغ. وقل استخدامها بشكل كبير في: التعرف على أصدقاء، والتواصل مع المعارف، ومشاركة الرأي معهم.

وبهذا يمكن تحديد التحديات الرئيسية أمام الصحافة في 2025–2026 في:
🔴 تحديات التوزيع والوصول
• تراجع حاد في الإحالات من Google Search وDiscover بسبب:
o AI Overviews
o Zero-click search
o فهرسة محتوى السوشيال داخل جوجل
• تحوّل Google من "بوابة" إلى "مُنتِج إجابات"
• Meta تقلّص الأخبار وتدفع بالمحتوى الفردي والعلامات التجارية
• Discover يتحول إلى ساحة محتوى بصري قصير بلا سياق صحفي
🔴 تحديات اقتصادية
• انهيار النموذج الربحي القائم على:
o زيارات كثيفة
o إعلانات بروجراماتيك
• تراجع البحث في 2025 بنحو 33.3% وتوقّعات بتراجع إضافي يصل إلى 43% بسبب AI search
• انخفاض الثقة الاستثمارية داخل المؤسسات الإعلامية: أقل من 40% من القيادات متفائلة بمستقبل الصناعة
🔴 تحديات تحريرية ومهنية
• تآكل قيمة “النقرة” كمؤشر نجاح
• خطر تحوّل الصحافة إلى محتوى قابل للاختزال والنسخ
• صعود اقتصاد المبدعين (منشئو المحتوى) على حساب المؤسسات
• ضغط السرعة والخوارزميات على الجودة والتحقق
• أزمة هوية: من يملك القصة؟ الصحفي أم المنصة؟
كيف يخطط الناشرون حول العالم؟
في مواجهة هذه التحديات، يتجسد الطريق الوحيد للبقاء عبر التميز والجودة وبناء العلاقة المباشرة مع الجمهور. المؤسسات التي تستثمر في المحتوى الأصلي، والتحليل العميق، والصحافة المتخصصة، وتمتلك نماذج اشتراك أو مصادر دخل متنوعة، ستكون الأكثر قدرة على الصمود. أما الاعتماد الكامل على الإعلانات أو على إحالات المنصات، فيبدو نموذجًا يقترب من نهايته.
وفي استطلاع رويترز، حدد ناشرون من مختلف دول العالم ما يخططون له لمواجهة تحديات الصحافة في 2026، وسيزيد الناشرون من دعمهم لهذه الأنواع الصحفية:
1- زيادة الاستثمار في التحقيقات الأصيلة.
2- شرح وتحليل سياقات الأخبار.
3- بناء الجمهور
4- أنسنة القصص
5- صحافة تحقق المحتوى
6- زيادة مساحة الرأي
7- الأخبار العاجلة الحية
ويقللون من الاستثمار في:
1- صحافة الخدمات
2- الأخبار العامة
3- المحتوى دائم الخضرة
4- تغطية السؤال والإجابة

وتتمثل أبرز الحيل للتأقلم في:
• مضاعفة التقارير والتحقيقات التي تجعل للموقع قيمة وتفرد.
• الاعتماد على صحافة المعنى والعمق والتحليل.
• سيستمر الـ AI في تغليف المنتج الصحفي، لكن الفيصل ألا تجعل محتواك سهل التعبئة والاختزال في 3 نقاط سحرية.
• horses strategy 2: الأتمتة مقابل التفرغ للتفرد
الخلاصة التي يقدّمها تقرير رويترز واضحة: 2026 ليس عامًا للتحسين التدريجي، بل لإعادة تعريف دور الصحافة نفسها — من مجرد ناقل للأخبار إلى منتج للقيمة والمعرفة في عالم تهيمن عليه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.