جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
يأتي الجزء الأول من «الأهلي في إفريقيا: ضربة البداية» (عابر الثقافية، 2025) للكاتب الرياضي محمد نصوحي، ليسد فراغًا في المكتبة الرياضية بشأن التواريخ الدقيقة والتفاصيل الكاملة لمشوار النادي الأهلي في القارة السمراء. وبعد نصف قرن من وضع الأهلي قَدَمَه في بطولات الأندية الإفريقية، منذ عام 1976 وحتى الآن، يمكننا أن نطالع معلومات شديدة الأهمية عن مسيرة القلعة الحمراء في إفريقيا.
ولعل أجمل ما في هذا الكتاب، هو أسلوبه القصصي الرشيق؛ إذ لا يسرد محمد نصوحي أرقامًا جافة، بل يحكي حواديت إنسانية، ومواقف طريفة، ومعارك إدارية، في الوقت الذي يصحح الكثير من المغالطات التاريخية الشائعة حول بدايات الأهلي الإفريقية.
الكتاب هو الجزء الأول من سلسلة موسوعية، حيث يغطي الفترة منذ بداية تفكير الأندية المصرية في المشاركة الإفريقية وحتى التتويج الأول للأهلي عام 1982، وهو يتناول تاريخ النادي الأهلي في البطولات الإفريقية، ويكشف تفاصيل المشاركات الأولى للمارد الأحمر بتفاصيل من الأرشيف الصحفي، من صور وقصاصات صحفية، تجعلك تعيش الحدث وكأنك تقرأ جرائد البارحة.
يحمل الكتاب أيضًا شهادات الكثير من الشخصيات الرياضية عن البطولات الإفريقية.
في هذا الكتاب، الذي يقع في 314 صفحة مزودة بالصور ومانشيتات الصحف، تشعر كأنك تتابع شريط الأحداث بدقة، مع الوصف الكامل لأهم المعلومات والأسماء الخاصة بكل مباراة، بما في ذلك تشكيل الفريق وتواريخ المواجهات الكروية، وحكام اللقاءات، وعدد المتفرجين في كل مباراة.
لن تقرأ فقط في هذا الكتاب عن الألقاب، بل ستخوض مع المؤلف رحلة مليئة بالمفاجآت داخل كواليس القرار، والمواقف التي لم تُروَ من قبل، والقصص التي كادت أن تغيّر مصير الأهلي في القارة السمراء. الأكيد أنه ثمة أسماء، وتواريخ، وأحداث حقيقية صنعت مجدًا، وتستحق أن تُروى.
الأكيد أن صعود الأهلي إلى قمة الكرة الإفريقية لم يكن حدثًا عابرًا أو مصادفة، بل جاء إثر سنوات من التردد، والمحاولات المؤجلة، والقرارات الإدارية المتأرجحة بين الطموح والخوف من المجهول الإفريقي.
هذا الكتاب لا يروي فقط قصة الانتصارات، بل يتتبع خيوط البداية: متى؟ كيف؟ ولماذا تأخر الأهلي؟
ربما جاز القول إن الكتاب الذي بين أيدينا يمثل محاولة مهمة لكشف كواليس رحلات ومغامرات الأهلي في إفريقيا التي وصلت به ومعه إلى التربع منفردًا على عرش الكرة الإفريقية وبمسافة ليست بسيطة عن كل الأندية التي تحاول الاقتراب منه فقط لا اللحاق به، على الرغم من انطلاقته المتأخرة وخطواته الأولى المتعثرة.
يصح أن نقول إن الكتاب ليس مجرد رصد لنتائج المباريات، بل هو «آلة زمن» ورقية تعود بك إلى حقبة الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات. بمعنى أدق: هذا الكتاب عن مرحلة التأسيس الإفريقي؛ مرحلة الأسئلة، التردد، صِدام الواقع، والإحباطات الأولى.. قبل أن يأتي المجد الكبير.
يبدأ الكتاب بسؤال جوهري: لماذا غاب الأهلي عن البطولات الإفريقية منذ انطلاقها عام 1964 وحتى 1976؟
ولكن هل تعلم أن الترسانة كان من المفترض أن يكون أول مشارك مصري في البطولات الإفريقية؟ وكيف كان شكل المنافسة في الستينيات؟ ولماذا تراجعت نتائج الأهلي محليًا في تلك الفترة؟
يكشف لنا الكاتب الرياضي محمد نصوحي الكواليس، سواء فيما يتعلق برحيل عبود باشا، أو تفكك الفريق، والأزمات المالية التي مهَّدت لهذا الغياب.
هنا يأخذنا الكاتب إلى «المطبخ الإداري» للأهلي، وكيف انقسم النادي حول المشاركة الإفريقية؟
ويفجِّر الكتاب مفاجأة: المدير الفني التاريخي للأهلي، المجري هيديكوتي، كان يرفض المشاركة، فما هي مبرراته؟
ويشرح المؤلف دور المايسترو صالح سليم والمهندس مراد فهمي في إقناع الإدارة بخوض المغامرة الإفريقية، كما يحكي لنا رسالة مشجع «زملكاوي» يطالب الأهلي بالمشاركة الإفريقية!
ولعل من الممتع أن نعرف أكثر عن صدمة البداية الإفريقية للأهلي عام 1976، التي تحمل عنوان: الدرس الجزائري القاسي.
ففي المشاركة الأولى، ووسط الآمال العريضة، حدث السقوط المدوي. هنا نقرأ معلومات بالغة الأهمية عن سبب خسارة الأهلي بثلاثية أمام مولودية الجزائر، وقصة الامتحانات التي حرمت الأهلي من نجومه، وغمض مصير بيبو بسبب الامتحانات، وأيضًا كواليس الرحلة الأولى، والهدف الذي جاء من تسلل قبل ركلة الجزاء. وبعد الفوز على مولودية الجزائر بهدف وحيد سجله الخطيب من ركلة جزاء في القاهرة، خرج الأهلي رسميًا من البطولة.
وفي عام 1977، يمكن أن نسميه «كابوس هارتس أوف أوك»؛ إذ نطالع قصة السحر والشعوذة في غانا.. البيض المكسور والأطباق الصينية، وكيف تحوَّلت المباراة مع الفريق الغاني إلى معركة؟ ولماذا طُرد المدافع مصطفى يونس في الدقيقة 73 من المباراة في أكرا؟ وحكاية المقلب الذي شربه جمهور الأهلي بسبب التليفزيون وانقطاع البث لحظة الهدف الوحيد الذي سجله مصطفى يونس من ركلة جزاء، وتفاصيل الثلاثية النظيفة التي أحرزها الفريق الغاني في مرمى الأهلي في الشوط الثاني من المباراة.
ويستفيض الكتاب في الحديث عن سنوات الغياب الثلاث عن البطولات الإفريقية (1978-1980)، وسر قرار الأهلي الانسحاب والعزلة الإفريقية لثلاث سنوات كاملة. ويتناول المؤلف قصة المعركة مع النجم الساحلي التونسي والحكم الذي كان عضوًا في النادي المنافس، وكيف جاء «المايسترو» صالح سليم ليقلب الطاولة ويقرر العودة للعرش.
وإذا كان عام 1981 بطولة لم تكتمل بسبب ظروف اغتيال الرئيس أنور السادات، مما أوقف حلم الأهلي قبل مواجهة «تيزي وزو» الجزائري،
ويتطرق إلى مفاجأة وصول طاقم التحكيم إلى القاهرة رغم قرار الانسحاب، وكيفية تعامل الأهلي مع هذا الموقف المحرج.
وأخيرًا يتحقق الحلم عام 1982، ليبدأ الأهلي الطريق إلى النجمة الأولى. ويقدِّم الكاتب محمد نصوحي معلومات مثيرة وتفاصيل موثقة حول ملحمة الفوز بأول لقب إفريقي في القلعة الحمراء. ولا يفوته تسجيل معلومات وطرائف، ومنها رحلات الرعب في أدغال إفريقيا، من الحرب الأهلية في أوغندا، إلى النوم في السفارة، وصيد الزواحف بالأحذية. كما يحكي عن إصابة نجم الفريق محمود الخطيب الخطيرة قبل البطولة، وكيف لعب وهو لا يرى في مباراة رينجرز.
أما النهائي الحلم أمام فريق كوتوكوالخطير، فيحكي عنه هذا الكتاب الممتع، بدءًا من مباراة القاهرة التي انتهت بثلاثية نظيفة لصالح النادي الأهلي سجلها محمود الخطيب (هدفين) وعلاء ميهوب، وكلها من صنع الجناح الطائر مصطفى عبده. ويشير محمد نصوحي إلى الطائرة الحربية الخاصة التي أقلت الفريق، وقصة هدف بيبو التاريخي في كوماسي أمام 75 ألف متفرج وفي غياب النقل الإذاعي أو التليفزيوني إلى مصر.
في هذه اللحظة التاريخية، قطع التليفزيون المصري إرساله لإذاعة نتيجة المباراة والإعلان عن انتصار الأهلي وفوزه بالبطولة الإفريقية لأول مرة، ونقلت الخبر السعيد المذيعة نجوى إبراهيم، ليشهد مطار القاهرة حشدًا هائلًا في استقبال الأبطال العائدين بالكأس.
كان مساء يوم الاثنين الموافق 13 ديسمبر 1982 ليلة مشهودة في تاريخ مصر الكروي ومظاهرة حُب شعبية؛ إذ خرج الآلاف من المصريين إلى مطار القاهرة للاحتفال مع الفريق باللقب الغالي الذي تحقق للأهلي تحت قيادة المدرب الجنرال محمود الجوهري.
لهذا كله، يستحق كتاب بمثل هذه التفاصيل الثرية الاحتفاء به، وترقُب أجزائه التالية.