تقييمي للدورة الرابعة والخمسين لمهرجان كالوفي فاري السينمائي

د. أمل الجمل

تقييمي للدورة الرابعة والخمسين لمهرجان كالوفي فاري السينمائي

د. أمل الجمل
09:00 م الإثنين 08 يوليه 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ليس صحيحاً علي الإطلاق أن مهرجان كارلوفي فاري يعتمد في برمجته أو اختيار أفلامه- خصوصاً في مسابقته الرئيسية- على ما تبقى من أفلام تركتها المهرجانات الثلاثة الكبرى؛ كان، برلين وفينيسيا. وسأخبركم لماذا؟

من خلال متابعتي للدورتين الأخيرتين لاحظت أمرين: أولاً ارتفاع مستوى الأفلام فنياً وفكرياً، ويصعب أن أصدق أن المهرجانات الكبرى تتخلى بسهولة عن أفلام جيدة جداً لمجرد ترك مساحة للأسماء الكبرى والنجوم ذات الهالة الإعلامية، سواء في مجال الإخراج أو التمثيل.

صحيح لا أنكر أن هذا الجانب الأخير موجود، وأن شبكة العلاقات قائمة، وتظهر في قدرة الموزعين المسيطرين على فرض أفلامهم للعرض بالمهرجانات الكبرى مهما كان المستوى، لدرجة أنه أحيانا يختار منظمو هذه المهرجانات بعض الأفلام- ذات المستوى المتواضع أو العادي فقط لكونها من توقيع مخرجين كبار، كما حدث مع الأخوين داردين قبل ثلاثة أعوام في مهرجان كان السينمائي.

أحياناً ينحاز منظمو تلك المهرجانات للأسماء البراقة، ويفضلونها على أعمال أخرى أكثر فنية وأهمية، فقط لأن موزعيها لهم سطوة وكلمة كبيرة وعلاقات قوية بالمنظمين. لكن تأكد أن هذا لن يحدث في مهرجان كارلوفي فاري؛ فالحكم والفيصل والمعيار الأول في الاختيار هو القيمة الفنية والسينمائية.

الأمر الثاني الذي لاحظته أن كاريل أوتش، المدير الفني لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي العريق- الذي بدأ أولى دوراته منذ العام ١٩٤٦- يُحافظ على علاقاته بالسينمائيين الكبار وكذلك الشباب منهم الذين اكتشفهم المهرجان، عبر سنواته ودوراته المتوالية.

يتأكد لي ذلك من خلال متابعتي للكلمات التي يُقدم بها أوتش ضيوفه من صناع الأفلام والمنتجين والنجوم والنجمات، قبيل عرض أفلامهم في القاعة الكبيرة الريئسية، بفندق تيرمال مقر فعاليات المهرجان.

كذلك عبر الكلمات القصيرة التي يُقدم بها صُناع الأفلام أعمالهم مستعيدين علاقتهم بالمهرجان الذي يُعد الأهم في أوروبا الشرقية والوسطى

إن أغلب هؤلاء الضيوف قدّموا أفلامهم الأولى بإحدى قاعات السينما هنا، في كارلوفي فاري، واحتفى بهم الجمهور التشيكي. بعضهم جاء قبل تسع سنوات، ثم عاد مع فيلمه الجديد بصحبه ابنه أو ابنته أيضاً.

بعضهم جاء مرات عدة بصحبه فيلمه ولاحقاً عضوًا أو رئيس إحدى لجان التحكيم.

أغلبهم يؤكدون صداقتهم القوية والعميقة مع كاريل، وأحدهم صرح قبيل عرض فيلمه: «كلما التقيت بكاريل أوتش في أحد المهرجانات يطلب مني المجيء إلى كارلوفي فاري، فأخبره أنه ليس لدي فيلم جديد حالياً، فيكون رد أوتش: ليس مهما، تعال، وعندما تنتهي من فيلمك الجديد ستحضر مرة أخرى».

من المؤكد أن تلك العلاقة الإنسانية التي يبنيها كاريل أوتش مع صناع الأفلام هي إحدى دعائم المهرجان، التي تمنحه الحفاظ على مستواه الفني، لأنه يخلق لديهم إحساسًا بالولاء للمهرجان وتجعلهم بشكل تلقائي يُفضلونه لعرض أفلامهم في عروضها العالمية الأولى.

هذا- بالطبع- إلى جانب فريق العمل المتفاني، المخلص، الدؤوب الذي لا يدخر جهداً أو تفصيلة من أجل إنجاح كل دورة منه.

سواء الشباب والشابات على نوافذ حجز تذاكر الأفلام للصحفيين والنقاد ضمن «الكوتة اليومية»، أو بقاعة المشاهدة على شاشات الكمبيوتر؛ حيث يُحاولون توفير أي وقت إضافي حتى لو استنفدت مدتك المخصصة لك، أو على أبواب القاعات السينمائية، وفي الممرات، أو على خشبة المسرح.

أما بخصوص الأفلام، فقد استمتعت بمشاهدة العديد منها. سواء في المسابقة الرسمية التي ضمت اثني عشر فيلماً تراوح تقييمي لها بين ثلاث وخمس درجات. فقد منحت ثلاثة منها ثلاث درجات، فيما يعني أنها جيدة، بينما منحت أربعة أفلام منها أربع درجات، ما يعني أنها جيدة جداً، ثم قيّمت خمسة أعمال بالممتازة، ومنحتها خمس درجات.

وأغلب الأفلام الفائزة كتبت عنه بمديح وإشادة قبل إعلان فوزها، وهذا ليس تنبؤًا بالجوائز ولكن الأفلام ذاتها تطرح نفسها بجمالية سينمائية وفكرية تقول إن مصيرها المحتوم هو الفوز بأي من جوائز المهرجان.

صحيح أن الأفلام داخل مسابقة الوثائقي لم تكن جميعها على مستوى الدورة السابقة- ربما باستثناء ثلاثة أفلام- هي «الحلم الكونفوشي»، و«القرية التي تتلاشى» و«البلوك رقم ١٧»- لكن خارج المسابقة وفي البرامج الموازية عُرضت عدة أفلام وثائقية مهمة جداً، مثل «ممر الأحلام» للمخرج التشيلي القدير باتريسيو جوزمان، وكذلك الفيلم البريطاني «دييجو مارادونا»، والفيلم التشيكي «فرصة ثانية».

أما مسابقة أفلام «شرق الغرب»، فشاهدت بها عددًا كبيرًا من الأفلام المهمة، وللعام الثاني على التوالي تُبهرني السينما التشيكية بمستواها المتقدم، وأفكارها الجديدة، وقدرة مخرجيها على خلق لغة سينمائية جذابة وشديدة الإنسانية، وبعضها قادر على تفجير السخرية والمرح بين الجمهور، حتى الذي يتناول منها موضوعات تاريخية. والتي تستحق أن نخصص لها مقالاً قادماً.

بقيت الإشارة إلى دور جوزيف فهيم، الناقد السينمائي المصري، مستشار المهرجان؛ لدوره في اختيار مجموعة مهمة من الأفلام العربية للمشاركة هذا العام، ما يدل على متابعته وقراءته المجسدة للمشهد السينمائي العربي، بما في ذلك التطور الحادث في المنطقة، فاختياره للفيلم السعودي «آخر زيارة» للمخرج عبد المحسن الضبعان يتزامن مع الحركة المتقدمة بالمملكة السعودية والذي بعرضه ضمن مسابقة «شرق الغرب» يمنح إطلاله على هذا المجتمع والسينما الوليدة به. من دون أن نغفل أيضاً دوره في احتفالية وتكريم المخرج المصري يوسف شاهين.

إعلان

إعلان

إعلان