استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي.. "رؤية مصرية مجتمعية"

د. غادة موسى

استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي.. "رؤية مصرية مجتمعية"

د. غادة موسى
08:33 م السبت 06 يوليه 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بعض الاستراتيجيات لا ترى النور، رغم كثرة الحديث عنها والدعاية لها، وبعضها يولد في صمت دون ضجيج أو حديث.

وفي الواقع، فإن القائمين على أي عمل في هدوء لا يعنيهم إلا إتمام هذا العمل على أكمل وجه، ونفع الناس به. وهم في سبيل ذلك يعملون ولا يضعون نصب أعينهم أية منافع شخصية إذا أخلصوا الضمائر.

وقد أتفهم ضيق الناس ذرعا بكثرة الاستراتيجيات والخطط، لأننا- وأنا منهم- على وعي بوجود عدد كبير منها في كل المجالات بدون تفعيل. وهي إشكالية تمت الإشارة لها في العديد من المناسبات، فلا بد من مراجعة وأرشفة ما لدينا لدراسته، ثم البناء عليه بدلا من إعادة اختراع العجلة.

وأتذكر أنه في أحد المؤتمرات، نادى أحد المشاركين، وطالب بضرورة عمل سجل بتوصيات الندوات وورش العمل والمؤتمرات ومراجعة تنفيذها، بدلاً من أن تخرج نفس الفعاليات بذات التوصيات.

والعمل الذي بصدد إلقاء الضوء عليه، أعتبره عملا وجهدا حديثا في مصر لم يسبق القائمين عليه كثيرٌ. كما أن موضوعه حديثٌ ومحلُ اهتمام واعتبار من الشباب والمختصين والمهتمين في العديد من المجالات. وهو" الذكاء الاصطناعي" أحد أهم منتجات الثورة الصناعية الرابعة.

فصحيح أننا ما زلنا دولة من دول العالم الآخذ في النمو، غير أن مناقشة وطرح هذا الموضوع قد حان توقيته، بل قد تصلنا تداعياته في قت أسرع مما كنا نعتقد.

إشكالية موضوع الذكاء الاصطناعي أنه ليس ملكا لنظام سياسي بعينه أو طبيعة دولة محددة وإنما هو لصيق بالعقل البشري، ومن ثم القدرة على التخيل والابتكار والحلم! ومما لا شك فيه أننا جميعا- كبشر- قادرون على أن نحلم.

---

وبالفعل، قامت مجموعة من الخبراء المتطوعين بمبادرة "الحلم"، من خلال استدعاء بعضهم حتى يكتب كُلٌّ ما يراه ويعتقده في مفهوم واستخدامات وآفاق ومخاطر الذكاء الاصطناعي.

وقد تباينت المعارف لهؤلاء المتطوعين بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وساهم كلٌ بما لديه من رؤى في العناصر السابقة حتى خرجوا بموضوعات وقضايا عدة تم تطويرها في وثيقة عمل "أولية" باسم "الخطة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي: رؤية مصرية مجتمعية".

ومن بين هذه الموضوعات: علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي، واعتبارات الأمن والسلامة في استخدامات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى عمليات نظم وحوكمة الذكاء الاصطناعي وكيفية التعامل مع البيانات الكبيرة والمفتوحة، ثم الآثار القانونية والأخلاقية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي... إلخ.

كما تم تشكيل لجان متخصصة لمجالات استخدامات منتجات الذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والصناعية والموارد المائية ومع ذوي الاحتياجات الخاصة والتدريب وغيرها من المجالات. وتمت دعوة المشاركين في الخطة للانضمام للجان، كُلٌّ حسب رغبته. وما يميز تلك الخطة أن من شركائها أطفالًا دون ١٨ عاما. فأحلام الأطفال لا حدود لها ولا سقف. وهم ملهمون لتطوير استخدامات أخرى للذكاء الاصطناعي، قد لا تصل عقول الكبار لها. مما جعلنا نطلق عليها- وبحق- رؤية مجتمعية مصرية.

---

وكعادة أصحاب الهمم والمبادرات، وبعد مرحلة الصياغة للخطة، يحاولون التواصل مع المسئولين المعنيين لعرض ما توصلوا إليه عليهم بغرض معاونتهم واختصار المجهود والزمن، بالإضافة إلى مناقشة مخرجات عملهم مع هؤلاء المسئولين.

وفي هذا الصدد يواجهون بكل أنواع العقبات بدءًا من عدم رد المسئولين عليهم، أو محاولة التقليل من شأن الجهد من خلال "لدينا بالفعل خطة في هذا الموضوع"، وانتهاءً بعمل خطة مشابهة لينسب العمل إلى الجهة الرسمية مع تكرار الجهد.

وهي إشكالية يعاني منها الكثير، على الرغم من أن قيمة أي عمل تنبع من تنوع المشاركين فيه ودمجه لمعظم قطاعات المجتمع؛ بحيث يكون عملًا مجتمعيًا حقيقيًا.

وهنا أشير إلى كلمة وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات "عمرو طلعت"، خلال مشاركته في ندوة مجلس الأعمال المصري- الكندي حول التحول الرقمي، حيث أشار إلى أن التحول الرقمي ليس مسئولية الوزارة وحدها، وإنما مسئولية تشاركية بين كل قطاعات الدولة المختلفة لإنجاح عمليات التحول إلى المجتمع الرقمي.

وبالتالي، فإن طرح موضوع استخدامات الذكاء الاصطناعي في خطة استراتيجية هو مسئولية تشاركية بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهات الرسمية ذات الصلة وبين المجتمع.

ومن الأهمية بمكان- في هذا الصدد- أن تفكر الوزارة في إنشاء منتدى للذكاء الاصطناعي، يتم فيه مناقشة مقترح الخطة الاستراتيجية المجتمعية التي تم وضعها والعمل على تطويرها. علما بأن هناك عددا من الدول العربية والأفريقية قد سبقتنا في هذا الصدد، وعلى مشارف إخراج نسخ ثانية وثالثة من استراتيجيات الذكاء الاصطناعي.

وكنا قد نادينا بأهمية إقامة حضانات لمنتجات الذكاء الاصطناعي في الكليات والمعاهد ذات الصلة، وتوفير التمويل اللازم لذلك.

كما يقتضي الأمر دمج مقترح الخطة الاستراتيجية المجتمعية للذكاء الاصطناعي مع خطة مصر للتنمية المستدامة ٢٠٣٠ علمًا بأن تطوير استخدامات منتجات الذكاء الاصطناعي من شأنها تحقيق التنمية المستدامة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، إذا ما أُحسن استخدامها.

----

الأمر في نهاية المطاف هو لخدمة مصر الحبيبة. وجميعنا شركاء في هذا الوطن. ولا يشيد أو يرتفع بناء إلا بسواعد أبنائه كافة. والخطة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي التي ساهم في وضعها علماء وباحثون ومعنيون ومهتمون وشباب وأطفال- جديرة بالاهتمام والمناقشة.

إعلان

إعلان

إعلان