• الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٦)

    د. غادة موسى

    الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٦)

    د. غادة موسى
    09:00 م السبت 20 يوليه 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    من الصعب إجراء أي حوار أو حديث حول الإصلاح الفكري، دون تناول موضوعات "التحديث" و"الحداثة" و"المعاصرة".

    فلا ينجو واضعو المشاريع الإصلاحية بوجه عام من الصدام تارة أو التوافق تارة أخرى مع معطيات الحداثة والمعاصرة؛ إذ يرى الكثير في العالمَين العربي والغربي أن أزمة الفكر العربي تكمن في رفضه تيارات الحداثة وخوفه على نفسه منها.

    وهو الرأي الذي عبر عنه أيضًا الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم ألمتحدة؛ حين أشار في أحد أحاديثه إلى انغلاق الفكر العربي، ما أوصله إلى حالة من التخلف والركود بسبب عدم انفتاحه على العالم، فكف عن التفكير والمساهمة في أي موضوع.
    ***

    ويذهب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين إلى أن مصر كانت قبل العهد العثماني منفتحة على أوروبا؛ مما أسهم في تبادل ثقافي واقتصادي واسع، جعل الشرق والغرب في حالة توازن، مع تفوق الأول ثقافيًا وعلميًا في أوقات عدة.

    ويرى طه حسين أنه حتى احتلال العثمانيين لأراضي السلطنة المملوكية عام ١٥١٦ تبعه فرض عزلة إجبارية على مصر والشام، قلب العالم العربي. والعزلة الإجبارية- وفقا لطه حسين- كانت سببا في تخلف مصر تحديدا. وانحصر الاتصال مع الغرب على التبادل التجاري المحدود، دون الاتصال السياسي.

    ويرى طه حسين أن القرون الثلاثة من الاحتلال العثماني شهدت ردة حضارية بالتزامن مع نهضة على الشاطئ الآخر من البحر المتوسط.

    ويستطرد بأن فرنسا من كل الدول الأوروبية كانت السباقة في الاتصال الفعال مع الشرق من خلال الحملة الفرنسية على مصر عام ١٧٩٨. ويسلم بأنها كانت غزوا عسكريا، ووجدت أطماعا استعمارية، لكن هذا الغزو صاحبه علماء وتقنيات حديثة ونظام إداري متطور.

    ويدلل على ذلك بالصدام الذي وقع بين محمد علي والسلطان العثماني حتى تميزت مصر بموجب معاهدة لندن عام ١٨٤٠ بمركز دولي ما.
    ***

    وفي مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري لتحرير العقل العربي، فإن مصطلح التحديث يرتبط مفهوميا بمفهوم الحداثة. وهو مصطلح دال على نمط من التفكير والسلوك، ويميز النصف الثاني من القرن العشرين في العالم العربي. أما التحديث، فيشير إلى الجهد المبذول لتحقيق هذا النمط.

    وهذان المصطلحان في صراع مستمر مع التقليد ومفاهيم الهوية والأصالة، لذلك يصير من الصعوبة بمكان الحديث عن التحديث في مجتمعات تغيب فيها الأصالة والتراث، كما هو الحال في المجتمعات الناشئة، كالولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا.

    ويرى العديد من الباحثين أنه على الرغم من توافر شروط الأصالة والتراث كمكونات للفكر العربي، فمصطلح التحديث غير موجود في اللغة العربية، ويقابله في اللغة الانجليزية مصطلح modernization. بالتحديث مصطلح جديد في الفكر العربي وفي اللغة العربية. وظهر هذا المصطلح في فرنسا في القرن السابع عشر في مقابل مصطلح النهضة renaissance والتي تشير في ترجمتها الحرفية إلى "الولادة"، وبالمقابلة ظهر مصطلح الأنوار الذي كان ينظر أنصاره إلى الأمام أو إلى المستقبل، بخلاف مصطلح النهضة الذي وجد في الحضارة اليونانية مثلا أعلى لا بد من إحيائه من جديد.

    كما أنه ليس بالضرورة أن يكون كل معاصر حديثًا؛ فالمعايير ترتبط بالحاضر وبالواقع الآني المعيش الذي قد يتخذ اتجاها تحديثيا أو لا. لذلك فإذا كان كل حديث معاصرًا، فليس كل معاصر يمكن أن نصفه بالحداثة.
    وحتى يمكننا فهم أزمة الفكر العربي، وتحديد ما إذا كانت تلك الأزمة ترتبط بغياب الحداثة، فلا بد من النظر إلى التحديث باعتباره الجهد المبذول في حركة المجتمعات تاريخيا لإنتاج الحداثة.
    فما المقصود بالحداثة، قبل أن نتهم الفكر العربي بالتخلف أو معاداتها؟ وما هي خصائصها؟
    الحداثة تتلخص خصائصها في فكر المفكرين الغربيين- بالأساس- في عدة مظاهر، هي:
    - رفض التقليد.
    - نزع القداسة عن العالم.
    - الفردية.
    - العقلانية.
    وكل من هذه المصطلحات في حاجة إلى تفسير وشرح، وهو ما سيتم في الجزء السابع.
    ولكن هذه الخصائص تثير تساؤلات عديدة، منها:
    - هل هذه الخصائص موجودة في التراث والممارسات العربية؟
    - هل الاتصال مع الغرب كفيل بمفرده لتحديث الفكر العربي؟!

    إعلان

    إعلان

    إعلان