المنصة الأخطر في البلد!

الكاتب الصحفي سليمان جودة

المنصة الأخطر في البلد!

سليمان جودة
09:00 م الأحد 14 يوليه 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لا تتوقف الدولة عن مخاطبة مواطنيها على مدار الساعة، ويتنوع خطابها إليهم بين خطاب مكتوب، وآخر مسموع، وثالث مرئي، وفي كل الحالات فإنها تبعث إلى كل مواطن على حدة، ثم إلى المواطنين في مجملهم بالكثير من الرسائل التي تريدها الحكومة مسجلة إلى رعاياها بعلم الوصول !

وبمثل ما يتنوع الخطاب، تتنوع المنصة التي تحمله إلى الذين تريد الدولة أن يصل خطابها إلى عقل كل واحد فيهم، فالمنصة قد تكون شاشة تليفزيونية محلية أو فضائية، وقد تكون إذاعة محلية أو دولية، وقد تكون جريدة مطبوعة، وقد تكون منصة إلكترونية من المنصات التي شاعت وسادت في السنوات الأخيرة !

ورغم أهمية هذه المنصات كلها، ورغم حيوية كل منصة منها، ورغم الاختلاف في قدرة كل واحدة منها على حمل رسالتها، وفي مساحة جماهيرها بين قطاعات الرأي العام، إلا أن المنصة الأخطر في ظني، ليست منصة من بين هذه المنصات، ولا هي منصة يجري ذكرها في العادة عند الحديث عما يؤثر في آحاد الناس !

هذه المنصة التي أقصدها هي منابر الجمعة المنتشرة على طول البلاد وعرضها، فمن فوقها يقف وعاظ بلا حصر ليخاطبوا الملايين كل أسبوع !

وما يميز منصة الجمعة عن غيرها أن حارةً في كل حي لا تخلو منها، وكذلك كل نجع، وكل قرية، وكل مدينة، وبلا استثناء !

وما يميزها أيضاً أن الواعظ الذي يصعد المنبر في أي مكان يظل يتحدث باسم الدين، ويذكر أن الله تعالى قال كذا في القرآن الكريم، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال كيت في الحديث الشريف الصحيح، وبالتالي فإن التأثير واسع، وكبير، وعريض !

وما يميزها كمنصة للمرة الثالثة أن التأثير مباشر بين الذي يقول، وبين الذي يسمع، ولا وسيط من أي نوع بين الطرفين !

وكنت أقول دائماً إن أي حزب لا يستطيع منافسة منبر الجمعة في الوصول المباشر إلى المصريين في عمومهم، مهما نظم هذا الحزب من مؤتمرات، ومهما دعا من الحزبيين إلى مؤتمراته، ومهما كانت شعبيته، ومهما كان عدد مؤيديه في الشارع السياسي !

لا يستطع المنافسة في هذا الاتجاه ولا يقدر عليها !

ولكن منبر الجمعة يستطيع، وهذا هو وجه خطورته، كما أن هذا هو وجه خطورة الكلام الذي يقال من خلاله، للذين يتربعون في كل يوم جمعة يسمعون وينصتون !

ولذلك، فإن الشكل إذا كان مهماً في هذه العملية كلها، فالأهم هو مضمون ما يقال في كل جمعة، لأن هذا المضمون هو الذي يبقى في الرؤوس، وهو الذي يترسخ في العقول، وهو الذي يعيش في الوجدان، وهو الذي يظل يرافق الذي استمع وأنصت على مدى حياته !

وحين قرأت هذا الأسبوع أن وزارة الأوقاف قررت بث خطبة الجمعة الموحدة على مواقعها الإلكترونية عبر ١٧ لغة، قدرت أن هذه خطوة مهمة جداً في حد ذاتها، لأننا فيها سوف ننتقل من مخاطبة المواطنين في الداخل، إلى مخاطبتهم في الخارج حيث يعيشون في أي بلد، ثم سوف نخاطب غير المصريين كذلك ممن سيدخلون على مواقع الوزارة ليروا ماذا تقول في مساجدها المسؤولة عنها، وبماذا تنصح الناس، وما الذي بالضبط يصدر عنها في مخاطبة كل متعطش إلى معرفة مبادئ الدين الحنيف ومقاصده العليا؟!

وأنا لا أطلب من الأوقاف شيئاً، سوى أن تكون كل كلمة في الخطبة الموحدة بهذه اللغات كلها، داعية إلى التعايش السلمي، ومؤكدة على فكرة قبول الآخر، ومقاومة للفكر المتطرف، ومحاصرة له، ومرسخة لقيم التسامح، ومحرضة على التعامل مع كل إنسان كإنسان، بصرف النظر تماماً عن كل شيء وأي شيء يمكن أن يميزه عن أخيه الإنسان !

إعلان

إعلان

إعلان