• الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٤)

    د. غادة موسى

    الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٤)

    د. غادة موسى
    09:00 م السبت 29 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    إذا كان العالم قد عاش في القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين عصورًا من التنوير والنهضة، حيث شهدت مشاريع وحركات إصلاحية في شتى المجالات، فالذي ميز تلك المشاريع أنها ليست فقط مشاريع إصلاحية، ولكنها مشاريع تجديد وتحديث.

    والآن يفرض موضوع الإصلاح نفسه بقوة وأكثر مما مضى على الساحة العربية؛ فهناك حاجة إلى قيام مجتمع عربي تقدمي يتساوى فيه المواطنون، ويسوده النظام وحكم القانون والحرية والديمقراطية، وذلك كله في إطار دول الإبداع وإعلاء قيم الكرامة والمواطنة والتعليم الجيد النافع. فمعاداة العلم والتعصب الديني بأشكاله كافة، والانحدار البيئي وانتشار الصراعات والحروب- جميعها عقبات ومصاعب لا تقود إلا لأمر واحد وهو السعي للبقاء والحفاظ على الحياة في خضم سيادة روح العجز والانهزامية لدي قطاعات كبيرة داخل المجتمع العربي.

    وقد يرى البعض أن دافع الحفاظ على الحياة هو في حد ذاته محفز للبدء في التفكير في مشروع إصلاحي فكري ينتشل المجتمعات العربية من التأخر والتبعية وحالة اليأس والفشل الاقتصادي والسياسي. وهي وجهة نظر لها وجاهتها.

    ---
    وقد تباين أئمة ودعاة الإصلاح في الوطن العربي، منذ العصور الإسلامية الأولى إلى مطلع القرن العشرين حول القيم التي تعتبر دعامة للإصلاح. حيث رأى عبد الله النديم أن الغرب تقدم بسبب حرية الفكر ووجود مؤسسة دستورية ضامنة للعدل.
    في حين رأى رفاعه الطهطاوي أن الحرية أعظم الحقوق ووسيلة السعادة، وهي متصلة بالمساواة في الحقوق والعدل.
    وبالمثل فقد أشار الإصلاحي خير الدين التونسي إلى أن الحرية والعدل أساس التقدم.
    وقد رأى المفكرون العرب من المسيحيين في القرن العشرين مثل قسطنطين زريق- صعوبة الإصلاح والتجديد، في ظل غياب المساواة والديمقراطية.
    ---
    وقد يخطئ البعض باعتبار الإصلاح السياسي هو الأساس والمنطلق لكل إصلاح آخر اقتصاديا كان أو اجتماعيا أو ثقافيا. فأنصار هذا الاقتراب الإصلاحي يجهلون قوانين التاريخ وتطور المجتمعات. فإذا كان العقل العربي في حالة سبات وخمول عميقين فلا سبيل لأي فكر إصلاحي سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي.

    وإذا كان ما أصاب العقل العربي من تراجع يُعد من أهم أسباب انعدام وتعثر المشاريع العربية الإصلاحية، فإن الفشل في تحديث البنية الاجتماعية القائمة على أشكال متنوعة من النظام الأبوي، وسيادة العشائرية والانتماءات ما دون الدولة، فضلا على التجزئة السياسية وغياب الحكم الرشيد، وانتشار الفساد وضعف التجربة الحزبية وجمودها وعجزها وتردي التعليم هي من أهم العقبات التي تقف في مواجهة وجود فكر إصلاحي أو حتى السماح بوجوده، ومن ثم بزوغ مشاريع إصلاحية في العالم العربي.

    والتحديات السابقة ليست نهائية؛ إذ توجد تحديات أخرى سيتم تناولها في مرحلة لاحقة. حيث تختلف تلك التحديات من حيث النوع والكم لأنها وليدة ونتاج الألفية الثالثة والعولمة والقفزة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات.
    ----
    وتعد "وثيقة الإسكندرية" أحدث وثيقة إصلاحية فكرية شاملة في الألفية الثالثة لمحاولة الوصول إلى حد أدنى من التوافق العربي حول محاور الإصلاح والتجديد والتحديث اللازمة لاستنهاض همة المجتمعات العربية. وهي الوثيقة التي اجتمع المشاركون لإصدارها في مؤتمر "قضايا الإصلاح العربي: الرؤية والتنفيذ" الذي عُقد في مكتبة الإسكندرية في الفترة من ١٢- ١٤ مارس ٢٠٠٤، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي في الوطن العربي، وتدارسوا إمكانات الإصلاح اللازمة لتطوير المجتمعات العربية.

    وقد انتهت مناقشاتهم إلى ضرورة الإعلان عن اقتناعهم الكامل بأن الإصلاح أمر ضروري وعاجل، ينبع من داخل المجتمعات العربية ذاتها، ويستجيب إلى تطلعات أبنائها في بلورة مشروع شامل للإصلاح، يضم الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
    وسأركز في هذا الصدد على ما جاءت به الوثيقة من عناصر مشروع الاصلاح الثقافي باعتباره الأقرب للمشروع الإصلاحي الفكري الذي نحن بصدده. حيث أشارت الوثيقة إلى المشكلات والتحديات الثقافية القومية والقُطرية في إطار مجموعة من الأولويات الثقافية، وفي مقدمتها:
    أ) العمل على ترسيخ أسس التفكير العقلاني والعلمي بتشجيع مؤسسات البحث العلمي وتوفير التمويل اللازم لها، وإطلاق حريات المجتمع المدني في تنميتها، وفي الوقت نفسه، القضاء على منابع التطرف الديني، التي تناهض العلم، وإن كانت تستفيد من منتجاته، حيث لا تزال رواسبها موجودة في بعض المناهج الدراسية ووسائل الإعلام الرسمي وغير الرسمي.

    ب) تجسيد الطابع الحضاري التنويري للدين بما يقتضيه ذلك من إطلاق الحريات الفكرية، وفتح أبواب الاجتهاد على مصراعيها في قضايا المجتمع للعلماء والباحثين؛ تحقيقا لخير الفرد والمجتمع، ومواجهة لكل صور التشدد والحرفية الجامدة في فهم النصوص الدينية والابتعاد بها عن مقاصدها ومبادئها الكلية.
    ويستلزم ذلك أن يمضي إصلاح الخطاب الديني في اتجاه يتسق مع روح العلم وحكم العقل والمتطلبات العصرية. وهو الاتجاه الذي يزيل التناقض الضار بين حرية الفكر والإبداع والوصاية التي يفرضها البعض باسم الدين الذي يدعو إلى المجادلة بالتي هي أحسن ولا يفرض إرهابا فكريا على المختلفين.

    ----
    وإذا كان ما أتت به وثيقة الإسكندرية في هذا الصدد لا يمكن أن يختلف أحد عليه، ولا يمكن إلا أن يكون مطلبا ما زال قائما وملحًا، فإنه يحتاج إلى عناصر فكرية مكملة ليؤتي ثماره. وهو ما سيتم مناقشته في الجزء الخامس.

    إعلان

    إعلان

    إعلان