• الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٣)

    د. غادة موسى

    الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٣)

    د. غادة موسى
    09:00 م السبت 15 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    كنت قد انتهيت في الجزء الثاني من مقال الحاجة لمشروع إصلاحي فكري إلى طرح سؤال "ماذا نريد من حياتنا؟" كسؤال موجه للتعرف على محددات إصلاح الفكر. فهل نريد الحفاظ على أنماط حياتنا كما هي أم أننا نؤمن بوجود قابلية لإنماء وتطوير حياتنا الاجتماعية والثقافية؟

    ...

    عادة ما تنهض المشاريع الإصلاحية الفكرية عند ظهور عوامل تهدد استمرار وبقاء المجتمعات الإنسانية. وعندما يعجز الفرد عن الانسجام مع محيطه الخارجي لافتقاره للأفكار والأدوات التي تجعله جزءا من هذا المحيط. وحينما تنفصل القيم الثقافية عن العلاقات الاجتماعية، بمعنى آخر عندما لا تقوم القيم بدورها في رسم وتنظيم العلاقات الاجتماعية. حينئذ يبدأ الفرد- عادة المهمومون والمهتمون بالفكر الإصلاحي - في البحث عن حلول تجعل من القيم الثقافية موجهاً لأنماط الحياة، بدلا من أن تستأثر أنماط الحياة المتغيرة في تحديد القيم الثقافية.

    وهنا لا أقصد بالقيم الثقافية تحيزًا بعينه لثقافة محددة. خاصة وأن السياق الذي تتم فيه مشاريع الإصلاح الفكري العربي تختلف بوضوح عن السياقات التاريخية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السابقة.

    وما أريد أن أوضحه للقارئ الجليل هو أن العالم الاجتماعي والثقافي ليس حقيقة معطاة، وإنما قابلة للتغير والتطور. كما أننا يمكن أن نؤثر فيه. وأن القول بمحدودية قدرة الإنسان على التأثير فيه يجانبه الصواب، لأن معظم حركات الإصلاح الفكري تمكنت من إعادة إنتاج المجتمع الذي تنتمي له.

    وهذا لن يقع إلا بالنظر في مفاصل الفكر العربي ووظيفته في تنمية الوعي بضرورة الإصلاح بشرط التنوع اللازم وإدراك وجود تأثير حتمي من الخارج" المختلف ثقافياً عنا.

    وفي هذا الإطار، وبعد طرح السؤال حول نمط الحياة الذي نريده والذي سيكون دافعاً لصياغة إطار لمشروع إصلاحي فكري، سأستخدم الإطار النظري الذي اقترحته عالمة الاجتماع "ماري دوجلاس" الخاص بالأنماط الخمسة للسلوك الفردي في إطار شبكة العلاقات الاجتماعية، حيث ميزت بين خمسة أنماط حياتية سلوكية وهي: النمط التدرجي والمساواتي والقدري والفردي والانعزالي. وكل من هذه الأنماط تتباين درجة ترابط الفرد فيه بمحيطه الاجتماعي والثقافي من جهة، كما تتباين مستويات القيود التي تفرضها الشبكات الاجتماعية عليه.

    وهذه الأنماط مثلما تعكس العلاقة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، فإنها تعكس العلاقة بين الفرد ومحيطه المؤسسي: المؤسسات الاجتماعية.

    ...

    ومن هذا المنطلق عالجت الكثير من حركات الإصلاح الفكري العلاقة بين الفرد ومحيطه متجاوزة للثنائيات التي غرقت فيها العلوم الإنسانية، وخاصة علم الاجتماع: الاستقرار والتغير والفردية والمنهجية الجمعية والموضوعية والذاتية والطوعية والجبرية والعقلانية واللا عقلانية وغيرها من الثنائيات. فيصعب إدراك وجود حركة إصلاح فكري تنطوي على ثنائيات. وحتى في ظل وجود جدل حول إما تأثير المجتمع والثقافة على المؤسسات، أو إما تأثير المؤسسات على الثقافة السائدة، فقد أدى هذا الجدل إلى نتائج سيئة لا تصب إلا نارا على أية محاولة للإصلاح. ولا تعدو سوى إعادة إنتاج فاشلة لمشاريع إصلاحية مبتسرة....

    وعليه، يتعين أن يكون مشروع الإصلاح الفكري هو مشروع التغير والاستقرار في آن واحد العقلانية واللا عقلانية والفردية والمنهجية الجمعية. أي الاعتماد المتبادل بين هذه الثنائيات بعيداً عن الازدواجية الفكرية. والمدقق في حركات الإصلاح منذ مطلع القرن العشرين تحديداً سيلحظ انقطاعاً مع فكر الثنائيات. كما سيلحظ مواكبة وتكاملًا لمشاريع إصلاحية متنوعة، بحيث أمكن أن نطلق على العصور التي شهدت هذا الزخم في حركات الإصلاح الفكري على كافة المستويات عصور التنوير والنهضة والعصور الذهبية.

    إعلان

    إعلان

    إعلان