الصراع المحسوم «زي الشمس» بين فريدة ونور

د. أمل الجمل

الصراع المحسوم «زي الشمس» بين فريدة ونور

د. أمل الجمل
09:00 م السبت 25 مايو 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

على الرغم من أن كثيرات تجاوبن أو تأثرن بمشهد البكاء الهستيري لدينا الشربيني والعاطفة الجياشة فيه، وذلك عندما اكتشفت خيانة أختها مع حبيبها، ورغم أنه مشهد مهم، فليس هذا مقياسًا لاختبار قوة الأداء عند أي ممثل خصوصاً دينا، لأنه أساساً مشهد مبني على الانفعال العاطفي، يعتمد على التأثير بالكلمة، ثم يأتي الأداء والموسيقى ليُكملا الحوار، ويستدرا دموع المشاهدين.

دينا الشربيني في «زي الشمس» عندها مشاهد أهم وأقوى في الأداء. مشهد الارتباك الذي تنتقل فيه ما بين شبح الفرحة على عينيها بانفراجة شفتيها وبين استعادة وعيها في لحظة خاطفة وإعمال العقل عندما يقول لها عمر: «إنه غير قادر على الحياة بدونها، وإنه لم يتوقف عن حبها»، أو في تلك اللحظة التي وضع يديه فوق ذراعيها في بيت والدتها، وكانت الابنة على السلم تتنصت عليهما. كذلك كثير من مشاهدها أمام والدتها وأولاد أختها وصمتها في لحظات بدون دفاع عن نفسها.

لكن الأهم أول مشهدين؛ فنظرة عيون نور فاضحة للحب النابض في قلبها، وفي واحد منهما تبتر انفعال الفرح، وتدفنه بسلاسة أدائية خاطفة، وتعود لترتدي قناع الرفض، وإعمال العقل، والهرب جرياً مختبئة خلف كلمات بصوت مرتفع «اللي بيني وبينك فريدة والولاد». تقولها في المرتين بمستوى أداء مختلف لكن بصوت مرتفع قليلاً لتُغطي على إحساسها ومشاعرها التي كادت تفضحها.

إنها مقدرة تعبيرية- قد تبدو ميكانيكية بالمعنى الجيد- على تطويع أجزاء محددة من ملامح وجهها والاستجابة للشعور الداخلي بسرعة خاطفة، ثم التراجع عنه، وتلبس شخصية أخرى. هي لقطة فيها أداء خلاَّق، يعني أنها قادرة على التحكم في إيماءاتها، وأن جسدها يستجيب لإشاراتها ورهن انفعالاتها.

ظاهرياً في «زي الشمس» من خلال عدد مشاهد الظهور، ووفق التتر تبدو البطولة من حظ نور، وليس فريدة. لكن القاعدة الذهبية في السينما تقول إن البطلة الحقيقية على مستوى الدراما هي فريدة. فالبطولة الحقيقية تُقاس بقوة التأثير حتى لو كان الظهور محدوداً. وهذه هي القاعدة التي ظل نجوم ونجمات السينما يلتزمون بها لسنوات طويلة. عدم الظهور بكثرة في البرامج. عدم العمل بالتليفزيون حتى يذهب الجمهور إلى السينما حتى يراه.

في «زي الشمس» بعيدا عن مساحة الدور، فإن البطل الحقيقي هو شخصية فريدة. أساساً لأشياء تتعلق بمضمون الشخصية وهيئتها وتكوينها. فريدة هي الإنسانة التي تمتلك قدرة على جذب الجمهور. الناس تحب الشخصيات الشقية المغامرة الموسومة بالقوة حتى لو كانت لمجرم، حتى لو كانت بها عيوب.

لذلك فريدة هي المرأة التي تريد أن تكونها كل النساء، حتى مَنْ ينتقدون شخصيتها من الجمهور، أو من الشخصيات الدرامية بالعمل ذاته. فريدة هي حلم كل امرأة، وربما حلم كثير من الرجال، وربما كل الرجال إلى حين أن يفقدوا السيطرة عليها فيتحول الحلم إلى كابوس ملغم بالكراهية والرغبة في التخلص منها.

فريدة تركيبة شديدة التعقيد. شخصية مرحة رغم كونها مثيرة للجدل. تريد أن تعيش الحياة كما تريدها. متحررة من القيود والأغلال، قيود المجتمع بكل أطيافه، بدءا من نظرات وانتقادات الجيران، وحصار الرجال، سواء كانوا أزواجا أو أصدقاء أو معجبين. ترتبط بالرجال حين يعجبونها، وعندما يتوقفون عن إدهاشها تتركهم كمن يتخلى عن سيجارته.

لكن اللافت في سيناريو المسلسل أن شخصية فريدة مرسومة بحذر ووعي حتى لا تصل إلى حدود المرأة المنفلتة حتى لو كانت بعض الشخصيات تُحاول تصويرها بذلك داخل المسلسل، فمثلاً يتضح مع توالي الحلقات أن هذا التحرر لم يكن مطلقاً، ولم يكن خاليا من المسئولية، بدليل مشاهد التوتر لما تكتشف- وهى بصحبة ابنها الصغير- كلمات الحب المُوجهة لها مرسومة على جدران البيت، ومحاولات إبعاد شخصية سيف عندما بدأ في مطاردتها حتي بيتها، وحتي في المدرسة عندما تزورها خطيبته وتقول لها كلام سيئ أمام الطلاب، هنا فقط نُدرك أن التحرر عندها له حدود وسقف، مثلما نلمح الخوف في عيونها من تشويه سمعتها وسمعة عائلتها. نظرتها الخجولة المجروحة والتي تمسح بها المكان تقول ذلك بوضوح.

ثم يتضح مع توالي الأحداث أيضاً أن شخصية فريدة مأساة، لأنها كانت سعيدة وغير سعيدة في آن. ربما لأنها في لحظة لم تتحكم في رغبتها وخانت أختها، فجمعت بين الإحساس بالذنب والرغبة في الانطلاق. لأنها عودت نفسها على أن تُجرب كل ما كانت تشتهيه، لذلك أيضاً كانت تربطها صداقة قوية بأمها، بأولادها، وهو ما يفسر تعلق الأولاد بها رغم أن حضورها بينهم كان قليلاً دايما تتركهم لوحدهم. لذلك عندما تقع مثل هذه الشخصية في أيدي ممثلة بقوة ورهافة وحساسية ريهام عبد الغفور فلا بد أن تكون الأقوى والأكثر تأثيراً خصوصا مع إطلالة تتميز بجرأة واختيار ألوان ساخنة تخطف العين في الأزياء والإكسسوار.

موهبة دينا

أما دينا الشربيني، فممثلة موهوبة. ماهرة في استحضار التعبيرات النفسية. قادرة على أن تجعل كل لحظة مشبعة بالإيمان وبصدق العاطفة التي تعيشها وبصدق ما يصدر عنها من أفعال. إنها من الممثلات القلائل القادرات على توظيف لغة العيون التعبيرية. بدون افتعال أو مبالغة يُمكنها نقل رسائل مشفرة بالعيون. تستطيع توظيف باقي إيماءات الجسد، لكن الأقوى عندها يكمن بقلب تلك الحدقتين في عمق المحيط جوهرتان قادرتان على الارتفاع بها وبنجوميتها إن اختارت الشخصيات متعددة الأبعاد التي تمنحهما الفرصة للتعبير والأداء. وما يؤكد ذلك- رغم تعدد أدوارها في السينما والتليفزيون- مشاهدها في «أفراح القبة».

الشخصية ودوافعها النفسية بكل تعقيداتها، وتركيبتها المؤذية القادرة على الوصول إلى طموحها مهما كان الثمن، صراع الشخصية لأجل البقاء ساعدها في كشف مقدرتها التمثيلية، رغم أنها في ذلك المسلسل كانت إلى جوار ممثلات يمتلكن موهبة طاغية في التمثيل.

أما الشخصية الدرامية لنور، بملامحها ومواصفاتها، فلا تكفي لتألق دينا أو لتأكيد نجوميتها كممثلة تمتلك موهبة أدائية واضحة. لأن أداء دينا هو مجموعة من الاستجابات النفسية للشخصية، في ظل الواقع الاجتماعي والظروف التي تحياها، لكن الخيال أثناء كتابة السيناريو لم يمنحها طاقة فاعلة، جاذبة. لم يُتح لها فرصة لإبراز طاقتها، لم يكتب لها مشاهد تكشف مأزقها، سواء بالتأمل الذاتي أو الاستبطان كما فعل مثلاً مع سوسن بدر في لقطات كان بعضها ساحرا بحوار يجمع بين الصوفية والواقعية، بين الحلم والوهم، مشاهد تجعلنا غير قادرين علي تحديد الحالة الذهنية لها بدقة.

شخصية نور علي المستوى الدرامي خالية من الأبعاد أو العمق المكبل بالتعقيدات، نور شخصية مسالمة إلا قليلا جداً، شخصية متسامحة، هادئة، ساكنة داخلياً إلا في لحظات قليلة أيضاً جدا، فقط عندما تُوضع في موقف يُعيدها لذكرى الحب العنيف الذي حينها نكتشف فقط أنه لايزال قابعا في ركن قصي.

تعتبر نور واحدة من أقل أنواع الشخصيات الدرامية جاذبية، لأنها شخصية عقلانية جداً لأبعد الحدود، خالية من أي جنون، لذا يمكن وصفها بالشخصية العادية، والمحافظة غير الجاذبة للجمهور. وإذا كان نالها بعض الحظ أو بعض الجاذبية فهذا حدث فقط بعدما ارتدت دينا جلدها، ولكن للأسف ذلك الجلد كان سجنا لموهبة دينا الشربيني.

إعلان

إعلان