الكتلة الحرجة المحرجة

أمينة خيري

الكتلة الحرجة المحرجة

أمينة خيري
09:25 م الإثنين 08 أبريل 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كنت أظننا كتلة حرجة مركزية ضرورية وحيوية لبناء المؤسسات، ودعم القرارات الجيدة، ومناقشة الإجراءات التي يجانبها الصواب. وكنت أعتقد أننا كتلة حرجة مطلوبة ومرغوبة ومأمونة لنشر الأفكار التنويرية في المجتمع الخارج لتوه من غياهب عقود من التجهيل والفقر والإلهاء.

وصورت لي أحلام اليقظة أننا كتلة حرجة تكونت بشق الأنفس، وتجذرت بفكر وجهد وتعليم وتدريب على النقد، وأنه حان وقت بزوغها لتسهم في زحزحة الهسهس الديني الذي ضربنا في مقتل، وخلخلة الانهزامية الثقافية التي سلمت نمرها أمام أول عزة ثقافي لا يمت للمجتمع المصري بصلة من قريب أو بعيد.

ورسمت لي أفكاري الشاطحة أننا ككتلة حرجة قادرة على الإسهام في دفع الحمل الثقيل قدمًا، وبث روح التحديث الفكري والتطوير النقدي في جسد مصاب بتكفير التفكير، وأعطبه تزيين كل ما هو قبيح.

اليوم أجد الكتلة الحرجة وقد تحولت كتلة محرَجَة، لا حول لها أو قوة. ولأنها غير قابلة للتخوين، حيث المؤكد أنها ليست ضد الدولة أو مناهضة للوطنية أو مناقضة للمصلحة العامة، فهي تصنف باعتبارها من المؤيدين والداعمين للاستقرار والاقتصاد والاستمرار والمضي قدمًا دون النظر للوراء.

وكذلك هي تنعت من قبل من اعتنقوا الثورة باعتبارها أسلوب حياة باعتبار أعضائها "خانعين" و"مداهنين" و"مطبلين".

لكن المصيبة أنها لو انتقدت سياسة أو طالبت بمراجعة إجراء ما أو دعت إلى تقنين هنا أو هناك، وجدت بدلا من الواحد عشرة يتهمونها بالعنجهية، ويرمونها بالانتهازية ولا يتوانون عن وصفها بعدم المفهومية وانعدام القدرة على تقدير الأوضاع وتقييم الأحوال.

ولأنها غير قابلة للتسليم للهسهس والتلون بالتدين المظهري المخوخ من الداخل والزاعق من الخارج منزوع القلب ومفرغ العقل، فهي تصنف باعتبارها من أعداء الدين، الكارهين للعقيدة والداعين إلى الفسق والفجور وما خفي كان أعظم.

وليس هناك أعظم من كتلة تكون قادرة على التفكير في زمن يجري فيه رسم خرائط إقليمية وترتيب أوضاع شعبية وإشعال ثورات محلية وإعادة رسم حدود أممية في غرف مغلقة وخلف أسوار مشيدة.

وليس هناك أثمن من مجموعات من البشر نجوا بأنفسهم من موجات إلهاء مجتمعية، والسماح بتشييد دول موازية تتولى تعليم المواطنين وتثقيفهم وتوظيفهم ورسم أفكارهم والهيمنة على عقولهم، والقدرة على إعلان عقولهم حرة مستقلة في زمن يصنف الاستقلال تهمة، والعقل نقمة.

هذه الكتلة الحرجة التي تتكون من ملايين المواطنين الذين يؤيدون الدولة، ويدعمون الاستقرار، ويصفقون لحرية اتخاذ القرار، ويدينون بالشكر والعرفان لكل من أسهم في إنقاذ هذا الوطن من براثن جماعة مجرمة تعتبر الوطن حفنة من تراب ليست متناغمة التكوين أو متطابقة المكونات. فمنها من يميل للاشتراكية، ومنها من يفضل الرأسمالية، ومنها ما يميل إلى خليط أو يفكر في بديل. ومنها من يعشق عبدالناصر، أو يحب السادات، أو يعرف أن لمبارك محاسن كما أن له مساوئ. ومنها من هو غير مسيس من الأصل، ومنها من يعشق كرة القدم، ويؤمن أن الكون يدور في أفق الأهلي أو يتمركز حول نادي الزمالك. ومنها من يطالب بحياة حزبية نشطة أو حركة طلابية زخمة أو يؤمن بفترة تعليمية توعوية قوامها الهدوء ليتدرب المصريون على سماع بعضهم البعض والتحاور مع أصحاب الرؤى المختلفة والانصراف دون تخوين أو تهويل أو تقطيع أواصر صلة.

غاية القول أن الكتلة الحرجة كبيرة ومتنوعة، ووجودها ميزة كبرى وليس مصدر تهديد أو مدعاة للخوف. أما إقصاؤها عن الساحة، أو نعتها بالجهل، أو تشويهها بالكفر، أو اعتبار قلتها أحسن درءًا للصداع ومنعًا للصخب، فليس في مصلحة أحد. الكتلة الحرجة محرجة هذه الآونة لأنها لا تجد لنفسها موطئًا.

إعلان

إعلان

إعلان