سَجين... الحرية !

نهاد صبيح

سَجين... الحرية !

نهاد صبيح
09:00 م الجمعة 04 أكتوبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يدعى المكان الذي يوضع فيه من يراد تقييد وسلب حريته بالسجن، والسجون ليس لها تأريخ معروف؛ لأن بداية إنشائها لم يعرف لا تحديدًا ولا تقريبًا، يقال إنه في العصور القديمة لم يكن هناك سجن وكان بدلاً عنه يُنفى من يراد سلب حريته سواء فردًا أو جماعة إلى مكانٍ معزولٍ أو دولةٍ أخرى، كذلك يعتقد كثير من المؤرخين أن الفراعنة كانوا أول من توصل لفكرة السجون والحبس كوسيلة للتحفظ على المذنب حتى يتم الحكم بأمره، كما ذكرت السجون في القرآن الكريم في إشارة إلى سجن النبي يوسف عليه السلام.

كي يكون السجن مكانًا صالحًا لحبس شخصٍ أو أكثر يتم إعداده بوضع الأسوار والقضبان الحديدية وتعيين الحراسة اللازمة لمنع المسجون من الفرار. أو بعبارة أخرى يتم وضع كل الوسائل الممكنة لمنع المسجون من الخروج من محبسه بحيث يكون تحت سيطرة كاملة لحراس السجن.

كثير من التيارات الفكرية الغارقة في النظرية واللا واقعية وكذلك أنصار نظرية الحرية المطلقة احتقروا فكرة سلب الحرية بالوضع في السجن كأداة للعقاب بدعوى مخاطر نشوء مجتمع شمولي يخدم مصالحه فقط ويلجأ إلى نظام المعاقبة بالسجن لإخراس معارضيه ومنتقديه.

وتعرف الحرية بأنها قدرة الفرد دون أي جبر أو شرط أو ضغط خارجي على اتخاذ قرار أو تحديد خيار معين من عدة خيارات موجودة، وهذا يعني أيضاً أنها التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه سواء كانت قيودا مادية أو معنوية .

والحرية في جوهر مفهومها لا يمكن أبدا أن تكون مطلقة بلا محدد ولا مقيد، فكلنا إما أحرار بنسب أو سجناء بنسب، فمثلا إذا نظرنا للحرية في العلاقات الرحمية سنجد أن المسؤولية التي تقع على عاتقنا ما هي إلا تلك الجدران التي نسجن بداخلها، بمعنى أن الأم إذا كانت تعي مسؤولية الأمومة؛ فإنها لم ولن تعد حرة في كل ما يتعلق بأبنائها وخاصة في كونها قدوةً لهم .
وما يسري على علاقات الرحم، سارٍ على العلاقات الاجتماعية، فالصداقة كعلاقة اجتماعية وإنسانية سامية لا يمكن أن يصبح فيها الصديق حرًا فيما يفعل تجاه صديقه، إنه يظل حبيس ما يعتقد ويختار من مبادئ مقيده في تعامله، فهو بمسؤولية الصداقة لم يعد حرًا فيما يفعل، وحتى من يظن أنه تحرر بإلحاده من الأديان ومن التقيد بالأحكام الإلهية، فهو في الحقيقة واهم لا يري إلا سرابًا؛ لأنه يظل مقيدًا حد السجن بمتطلبات الجسد من نوم وتغذية وخلافه.

يصبح الإنسان حرًا (وهذا تصوري الشخصي) إذا توفر لديه القدرة والوعي على اختيار السجن المناسب له، فالذي قرر أن يعمل في شركة مثلا لا بد له أن يمتثل حد السجن بمتطلبات ومسؤوليات وظيفته وأن يذعن لقانون ولائحة الشركة وهكذا، تظل الحرية كلمة من العسير أن تكون مطلقة بلا قيد أو شرط، وبذلك لن نجد غرابة إذا وصفنا إنسانًا بأنه :
سَجين... الحرية!

إعلان

إعلان

إعلان