تداعيات استراتيجية للغزوة التركية

محمد جمعة

تداعيات استراتيجية للغزوة التركية

محمد جمعة
09:00 م الخميس 24 أكتوبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

حتى الآن تتوافر الشواهد والمعطيات على أن اتفاق وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا، الذي وقعته واشنطن وأنقرة في السابع عشر من الشهر الجاري، سيكون هشا... ناهيك عن استمرار تضارب المعلومات والغموض الذي يحيط بمعضلة "المنطقة الآمنة" حتى بعد لقاء بوتين وأردوغان في سوتشي مؤخرا، سواء لجهة طول تلك المنطقة، أو لجهة الطرف المسيطر عليها، وحدود هذه السيطرة نفسها، خاصة مع تصريحات الكرملين بشأن "دوريات عسكرية مشتركة" بين روسيا وتركيا في عمق 10 كيلومترات داخل الأراضي السورية. وأيضا بعد عودة الحديث من جديد عن الاقتراح الألماني القديم بإنشاء منطقة آمنة تحت إشراف دولي.

لكن كل هذا لا ينفي أن الغزو التركي لمناطق شرق الفرات في الشمال السوري فرض معطيات جديدة على الأرض، على النحو الذي سيكون له تداعيات ذات طبيعة استراتيجية...

أولها: أن الولايات المتحدة الأمريكية بانسحابها من شمال شرق سوريا تتنازل عن موقعها كمسيطر أكبر على المجال الجوي السوري لصالح الجيش الروسي. والمؤكد أن موسكو ستستخدم "الخيانة الأمريكية" للأكراد للدفع في اتجاه سردية أن واشنطن شريك أمني غير موثوق به، في حين أن موسكو تقف على رأس الشركاء والوسطاء الموثوقين في الشرق الأوسط.

وهذا الأمر في النهاية لن تكون آثاره هينة، بل سيستخدم بوتين الأزمة بالفعل لعرض رؤيته لـ"الأمن الجماعي" في الخليج والشرق الأوسط على نطاق واسع.

ثانيها: أن داعش ستعود من جديد... فالآن خرج المئات من مقاتليها من مرافق الاحتجاز الخاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية". والأرجح أن هذا العدد سيصل خلال الأيام والأسابيع القادمة إلى عدة آلاف، في الوقت الذي يستعد فيه أفراد أسر الدواعش الذين فر بعضهم مؤخراً من معسكرات الهول وغيرها؛ لإعادة احتلال أي إقليم تستعيده داعش.

صحيح أن بعض المقاتلين الأجانب سيهاجرون إلى بلدانهم لتعزيز وإلهام الحركات الإرهابية المحلية، لكن معظم هؤلاء سيبقون في المنطقة أي بين شرق سوريا وغرب العراق.

باختصار، إذا كان تنظيم داعش في السابق قد استغرق ظهوره نحو ثلاث سنوات بعد هزيمة القاعدة في العراق؛ فإننا نتوقع ظهور "داعش الجديدة" في غضون شهور قليلة. خاصة وأن الرئيس التركي أردوغان يميل إلى توظيف فصائل الإسلام السياسي بدرجات متفاوتة، ولديه حافز قليل لمحاربة داعش مباشرة. كما أنه يخشى من رد فعل التنظيم في داخل تركيا ذاتها إذا تحرك ضده. بل وهناك بين قيادات "نظام أردوغان" بمن في ذلك العسكريون من يبدي تعاطفه مع "الجهاديين" ويري أن داعش يشكل تهديدًا أكبر لمنافسي تركيا الإقليميين، مثل إيران والأكراد وروسيا، أكثر من تهديد تركيا.

وفوق كل ذلك فالجيش التركي يفتقد بالفعل إلى القدرة العملياتية لتأمين جميع الأراضي التي كانت "قوات سوريا الديمقراطية" تسيطر عليها في السابق. وهنا قد يستعيد تنظيم داعش بعض المناطق نتيجة الفجوة القائمة بين طموح تركيا وقدرتها. لكن كل هذا في النهاية لا ينفي أن تركيا ستدفع – على المدي الطويل – ثمنا باهظا نتيجة "تسامح" أردوغان مع تلك التنظيمات أو حتى قبوله الضمني بدورها.

ثالثها: أن الحرب الأهلية السورية ستشتعل من جديد... فمن ناحية، سيكون" الحزام العربي السني" الذي يصوغه أردوغان الآن على طول الـ120 كيلومترًا من خط الحدود بين "تل أبيض" و "رأس العين" بمثابة ملاذ آمن لبعض فرق المعارضة السورية التي تقف إلى جوار تركيا. وسوف يتفاعل هذا الملاذ الآمن الجديد مع الملاذ الحالي المهيمن عليه تنظيم القاعدة في إدلب.

كلتا المنطقتين ستشهدان تصعيدًا للمواجهة، حتى ولو تأخرت لبعض الوقت. وسترسل تلك الموجات التصعيدية بالمزيد من اللاجئين إلى أوروبا، وستدفع بالمزيد من المقاتلين نحو التطرف، وتزعزع استقرار بعض دول الجوار.

رابعها: أن إسرائيل ستتخذ إجراءات أكثر جرأة ضد أهداف إيرانية في العراق وسوريا. بمعنى أن إسرائيل في وقت سابق كانت تتوخى الحذر بعض الشيء عند مهاجمة أهداف إيران ووكلائها ومنشآتها الأمنية والعسكرية في العراق وسوريا؛ لأن القوات الأمريكية الموجودة على الأرض هناك معرضة لهجمات انتقامية من قبل الجماعات المدعومة من إيران، في كل مرة تضرب فيها إسرائيل ضربة جديدة.

الآن مع انسحاب الولايات المتحدة من سوريا، ستنقل إيران المزيد من الأسلحة والمعدات هناك، وستعتبر إسرائيل ذلك زيادة في التهديد الموجه لها، وبالتالي سترد على ذلك بالمزيد من الانخراط العسكري هناك. وكلما تراجع التواجد العسكري الأمريكي في سوريا والعراق، كلما شعرت "تل أبيب" بالمزيد من حرية الحركة في العمل ضد إيران.

خامسها: الأكراد سيصبحون مشكلة إقليمية... صحيح أن هناك قيودًا دولية عديدة تمنع تركيا من حرية الحركة بشكل مطلق في شمال شرق سوريا، لكن هذا لا ينفي خسارة الأكراد في شمال سوريا للكثير من موارد القوة والنفوذ نتيجة ما حدث مؤخرا، ومن ثم سيكون لدي المقاتلين الأكراد في المنطقة حافز للتعبئة. فقد خسر الأكراد جيب عفرين، في شمال غرب سوريا، في عملية " غصن الزيتون" التركية في أوائل عام 2018. وها هم الآن يتجرعون مرارة تخلي الولايات المتحدة عنهم. وقبل ذلك فقدت الأحزاب الكردية الحاكمة في كردستان العراق، مدينة كركوك -المنطقة المتنازع عليها الغنية بالنفط في شمال العراق- لصالح قوات الأمن العراقية والوكلاء الإيرانيين.

كل هذا قد يتسبب في استنفار الأكراد، من جميع الانتماءات، ودفعهم إلى حمل السلاح. والمؤكد أن التشدد الكردي في شمال سوريا -على الأقل – سيتصاعد. وحتى بافتراض قبول تشكيلات "قوات سوريا الديمقراطية" لطبيعة الدور الموكل إليهم وفقا للتصور الأمريكي -والذي هو أقرب للمهمات التي تقوم بها فرق وشركات الأمن الخاصة- فإن هذا سيتسبب في تبلور فرق كردية أخرى على يمين "قوات سوريا الديمقراطية"، ستواصل القتال ضد تركيا ووكلائها في المنطقة.

باختصار، الحملة التركية في شمال شرق سوريا (وطبيعة الاستجابات الدولية المصاحبة لها) يبدو أنها ستغير من الديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة، على نحو يستدعي المزيد من الاهتمام والتحسب لتداعياتها واسعة النطاق والتأثير.

إعلان

إعلان