ظاهرة الشيخ إمام ونجم مجدداً

ظاهرة الشيخ إمام ونجم مجدداً

محمود الورداني
06:59 م الخميس 20 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كان مذهلاً بحق عودة أغاني الشيخ إمام وقصائد أحمد فؤاد نجم منذ الأيام الأولى لثورة 25 يناير، بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً من المنع والمصادرة في كل الإذاعات وقنوات التليفزيون، واقتصرت أغانيهما على ما هو مسجل على الأشرطة. ولأنها أغانٍ أحبها الشعب ورأى فيها أمانيه وآلامه وأحلامه، وجدت تلك الأغاني من يحتفظ بها مسجلة ومن يحفظها ويغنيها، وبدا وكأن إمام ونجم عادا إلى الحياة مرة أخرى أكثر إشراقاً بعد أن تحقق حلمهما بالثورة.

أما كتاب الروائي عبده جبير "النغم الشارد.. المعركة حول ظاهرة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم" الصادر عن دار آفاق عن الظاهرة إمام- نجم فله قصة تستحق أن تروى. بدأ المؤلف كتابه في سبعينيات القرن الماضي عندما كان إمام ونجم في ذروة انتشارهما في السبعينيات، وسجّل مع نجم نحو 30 ساعة، ومع الشيخ إمام وبعض الملازمين له والمحيطين به من أهل حارة حوش قدم نحو 60 ساعة وكثير من الوثائق والمخطوطات، مما يشكّل أرشيفاً معتبراً.

وكتب الجزء الأول بالفعل، ولكن تمت مداهمة منزله من جانب الأمن وألقي القبض عليه، كما تم الاستيلاء على الأرشيف وأشرطة التسجيل والوثائق الخاصة بالكتاب، إبان الصراع الذي كان محتدماً آنذاك، بين السادات ونظامه وبين القوى السياسية اليسارية والديمقراطية في سبعينيات القرن الماضي.

ولحُسن الحظ كان جزء من الكتاب قد كُتب بالفعل على الآلة الكاتبة من ثلاث نسخ، بقيت منها نسختان بعد استيلاء الأمن على إحدى النسخ أثناء مداهمة مسكنه، نسخة كانت في حوزة صديقه الفنان التشكيلي عادل السيوي، والأخرى مع المخرج السينمائي مجدي أحمد علي احترازاً- كما يقول المؤلف- من غارة قادمة. ومن هذه النسخة غير الكاملة بدأ كتابه.

من جانب آخر، استفاد المؤلف من خبرته الروائية في صياغة الكتاب، كما أنه كان يعيش داخل الظاهرة، وليس مجرد مشاهد خارجي، ولطالما استضاف إمام ونجم في بيته بصحبة الأصدقاء، وكانت تلك هي الطريقة شبه الوحيدة للقائهما والاستماع إلى أغنياتهما، لاسيما في ظل الحصار الإعلامي المفروض عليهما، كذلك كان المؤلف صديقاً مقرباً لهما على مدى عدة سنوات.

لا يكتفي جبير بالوصف الدقيق لحجرتي إمام ونجم المتجاورتين، حيث كان نجم في الطابق الثاني وإمام في الثالث في بيت متداع في عطفة حوش قدم في قلب القاهرة القديمة، بل يقدم أيضاً جيرانهما ومن ارتبطوا بالظاهرة وشاركوا في صنعها، مثل محمد علي ضابط الإيقاع الذي علّمه إمام، والفنان التلقائي المثال محمود اللبان وغيرهما.

والحقيقة أن الكاتب يستعيد جوهر ذلك الزمان وتفاصيله الدقيقة على نحو نادر المثال، كما يكشف جوانب كانت مجهولة في حياة الشيخ إمام تحديداً، بينما كان نجم قد كتب سيرته الذاتية تحت عنوان "الفاجومي" بعد ذلك بعدة سنوات.

ولد إمام عام 1918 في إحدى قرى مديرية الجيزة، وكان والده بائعاً متجولاً، وأحد المنتسبين للجمعية الشرعية الخيرية. وفقد إمام بصره وهو رضيع في الشهر الثاني، وكان أول ما سمعه التراتيل والأدعية الدينية التي يشارك فيها الجميع من مريدي الجمعية الشرعية. وما أن بلغ الثانية عشرة من عمره حتى كان قد حفظ القرآن الكريم كاملاً، فأرسلته الجمعية على نفقتها ليواصل تعليمه في الأزهر، إلا أنه فضّل ملازمة أشهر منشدي عصره وملحنيه مثل الشيخ أبو العلا محمد وزكريا أحمد وتعلّم على أياديهما أصول الغناء والتلحين.

وهكذا بدأ إمام حياته كفيفاً ومشرداً ومفصولاً من الجمعية، فاضطر لكسب قوته بقراءة القرآن في طرقات وحواري القاهرة.

أما هزيمة 1967 فقد لعبت الدور الأساسي في انتشارهما حيث وضعا معاً الأساس للأغنية السياسية الساخرة والتي تهاجم الأوضاع السائدة بعنف ولا تخاف الحكام، واستمرت الظاهرة حتى حكم السادات، بل ونال نجم حكماً بالسجن لمدة عام بتهمة إهانة رئيس الجمهورية بسبب قصيدته حلاوة زمان.

وهكذا وبعد عقود عاد إمام الذي كان قد رحل قبل سنوات، وتجددت الظاهرة إبان ثورة 25 يناير..!

إعلان

إعلان