إعلان

مصر… مفتاح السلام في غزة وقلب التوازن الإقليمي

د. أحمد موسى

كتب - د. أحمد موسى

07:18 م الخميس 26 فبراير 2026

في لحظة إقليمية تتسم بقدر غير مسبوق من السيولة الاستراتيجية، حيث تتداخل النزاعات المسلحة مع الأزمات الإنسانية، وتتشابك الحسابات الإقليمية مع رهانات القوى الكبرى، تبرز مصر باعتبارها الفاعل الأكثر رسوخا واستمرارية في معادلة السلام في الشرق الأوسط. فالدور المصري في مجلس السلام في غزة لا يمثل مجرد تدخل دبلوماسي تقليدي أو مبادرة ظرفية لاحتواء تصعيد عسكري، بل يعكس موقعا بنيويا تشكل عبر عقود طويلة من التفاعل مع أزمات الإقليم، وإدارة الصراع العربي–الإسرائيلي، وصياغة توازنات دقيقة بين القوة والسياسة.

إن مصر ليست دولة هامشية يمكن تجاوزها في ترتيبات الأمن الإقليمي، بل تمثل أحد الأعمدة الصلبة التي يقوم عليها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ويستمد هذا الدور ثقله من مزيج فريد يجمع بين الجغرافيا السياسية، والوزن الديموغرافي، والتاريخ الدبلوماسي، والخبرة المؤسسية في إدارة الأزمات المعقدة. لذلك، فإن أي محاولة لفهم مجلس السلام في غزة بمعزل عن الدور المصري هي محاولة محكومة بالقصور التحليلي منذ البداية.

من منظور جيوسياسي، تحتل مصر موقعا فريدا يجعلها نقطة ارتكاز في التوازنات الإقليمية. فهي تقع عند ملتقى قارات ثلاث، وتتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، وتشكل حلقة وصل بين المشرق العربي وشمال أفريقيا. هذا الموقع لا يمنحها فقط قيمة استراتيجية في الحسابات العسكرية والاقتصادية، بل يفرض عليها أيضا مسؤولية تاريخية في الحفاظ على قدر من الاستقرار في محيطها المباشر. ومن هنا، فإن انخراط القاهرة في مجلس السلام في غزة يأتي بوصفه امتدادا طبيعيا لدورها كقوة إقليمية ضابطة للتوازن، لا كطرف يسعى إلى تحقيق مكاسب ضيقة.

يكتسب مجلس السلام في غزة أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي، حيث تراجعت قدرة بعض الأطر الدولية التقليدية على فرض حلول مستدامة، وبرزت الحاجة إلى فاعلين إقليميين يتمتعون بالمصداقية والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف. وفي هذا السياق، تبرز مصر باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على الجمع بين القبول الإقليمي، والاعتراف الدولي، والفهم العميق لتعقيدات المشهد الفلسطيني.

إن قطاع غزة ليس مجرد إقليم صغير محاصر يعاني من أزمات إنسانية متفاقمة، بل يمثل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها اعتبارات الأمن القومي، والشرعية الدولية، وتوازنات الردع، وحسابات القوى الإقليمية والدولية. فغزة تشكل نقطة تماس مباشرة بين الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وبين الأمن الإقليمي الأوسع، وهو ما يجعل إدارتها تحديا يتجاوز قدرات أي طرف منفرد. ومن هنا، فإن الدور المصري في مجلس السلام يتأسس على إدراك بأن غزة ليست ملفا إنسانيا فحسب، بل قضية سياسية–أمنية ذات أبعاد جيوستراتيجية عميقة.

تاريخيا، ارتبط الدور المصري في القضية الفلسطينية بفكرة الالتزام الثابت الذي لا يخضع لتقلبات المصالح قصيرة الأمد. فمنذ نشأة الصراع، لعبت مصر أدوارا متعددة تراوحت بين المواجهة العسكرية، والوساطة السياسية، والدعم الدبلوماسي، والعمل الإنساني. وعلى الرغم من تغير السياقات الدولية والإقليمية، ظلت القاهرة متمسكة بثوابت أساسية، في مقدمتها رفض تصفية القضية الفلسطينية، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والسعي إلى تسوية عادلة تضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

في إطار مجلس السلام في غزة، أعادت مصر صياغة أدوات تدخلها بما يتناسب مع تعقيدات المرحلة الراهنة. فلم تعد الوساطة تقتصر على وقف إطلاق النار أو إدارة جولات التهدئة المؤقتة، بل باتت جزءا من مقاربة أوسع تهدف إلى منع إعادة إنتاج الصراع. وتقوم هذه المقاربة على الجمع بين الضغط السياسي، والتفاهمات الأمنية، والإجراءات الإنسانية، في محاولة لبناء حد أدنى من الاستقرار القابل للاستمرار.

تتميز الوساطة المصرية بكونها وساطة واقعية، تنطلق من فهم دقيق لموازين القوى، وحدود الفعل العسكري، وطبيعة الحسابات السياسية لكل طرف. فهي لا تعتمد على الخطاب الأخلاقي المجرد، ولا على فرض إملاءات غير قابلة للتنفيذ، بل تسعى إلى تحقيق تسويات مرحلية تفتح المجال أمام مسارات أوسع. هذا النهج البراغماتي هو ما يمنح الدور المصري قدرا كبيرا من الفاعلية مقارنة بوساطات أخرى افتقرت إلى العمق الاستراتيجي.

من منظور الأمن القومي، تنظر مصر إلى غزة باعتبارها جزءا من معادلة أمنية أشمل، تتصل بشكل مباشر باستقرار الحدود الشرقية، وبمكافحة الإرهاب، وبمنع انتقال الفوضى إلى محيطها الإقليمي. لذلك، فإن مشاركة القاهرة في مجلس السلام لا تهدف فقط إلى حماية الفلسطينيين من تداعيات التصعيد العسكري، بل أيضا إلى منع انزلاق الوضع إلى سيناريوهات تهدد الأمن الإقليمي بأسره.

إلى جانب البعد الأمني، يبرز البعد الإنساني كعنصر محوري في المقاربة المصرية. فقد اضطلعت مصر بدور أساسي في تسهيل دخول المساعدات الإنسانية، واستقبال الجرحى، والمشاركة في جهود إعادة الإعمار. غير أن هذا الدور لم يكن معزولا عن الرؤية السياسية، بل جاء في إطار استراتيجية تهدف إلى تثبيت السكان في أرضهم، ومنع أي محاولات لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية للقطاع تحت ضغط الحرب والحصار.

في بيئة إقليمية تتسم بالاستقطاب الحاد، تحافظ مصر على موقعها كدولة توازن، قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون الوقوع في فخ الاصطفافات الأيديولوجية. هذا الموقع يمنحها مصداقية استثنائية، ويجعلها وسيطا مقبولا حتى في أكثر اللحظات تعقيدا. فالقاهرة لا تقدم نفسها كطرف يسعى إلى فرض أجندة خاصة، بل كفاعل إقليمي يسعى إلى منع الانفجار الشامل.

على المستوى الدولي، تستند مصر في دورها القيادي إلى شبكة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، ما يمكنها من تحويل التفاهمات الإقليمية إلى تفاهمات مدعومة دوليا. هذا البعد الدولي يمثل عنصرا حاسما في نجاح مجلس السلام، إذ يوفر غطاء سياسيا يمنع انهيار الاتفاقات تحت ضغط التطورات الميدانية أو التحولات السياسية المفاجئة.

تحرص مصر، في هذا السياق، على الالتزام بإطار الشرعية الدولية، والدفع باتجاه حل الدولتين بوصفه الإطار الوحيد القادر على توفير تسوية عادلة ومستدامة. ويعكس هذا الموقف رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تدرك أن الحلول المؤقتة، مهما بدت ناجحة على المدى القصير، لا يمكن أن تحل محل تسوية شاملة تعالج جذور الصراع.

ومع ذلك، فإن الدور المصري لا يخلو من تحديات معقدة. فتعنت بعض الأطراف، وتضارب الأجندات الإقليمية، وضغوط الواقع الإنساني المتدهور في غزة، كلها عوامل تفرض على القاهرة هامشا ضيقا للمناورة. غير أن مصر تواصل أداء دورها بصبر استراتيجي، إدراكا منها أن غيابها عن هذا الملف لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات، وفتح الباب أمام تدخلات غير منضبطة.

إن الحديث عن السلام في الشرق الأوسط يظل حديثا نظريا ما لم تكن مصر في قلبه. فالقاهرة لا تمثل مجرد دولة مشاركة في جهود السلام، بل تشكل ركيزة أساسية في بنية النظام الإقليمي، وصمام أمان يمنع انهياره الكامل في لحظات التوتر القصوى.

من خلال مجلس السلام في غزة، تسعى مصر إلى إعادة تعريف مفهوم السلام نفسه، بحيث لا يقتصر على غياب العنف، بل يشمل بناء بيئة سياسية وأمنية وإنسانية تسمح بإعادة إطلاق مسار تسوية شاملة. هذا الطموح يعكس إدراكا عميقا بأن السلام الحقيقي لا يفرض بالقوة، ولا يختزل في اتفاقات مؤقتة، بل يبنى عبر توازن دقيق بين الواقعية السياسية والمبادئ القانونية.

في المحصلة النهائية، يتضح أن الدور المصري في مجلس السلام في غزة ليس دورا تكتيكيا عابرا، بل تعبير عن موقع بنيوي لا يمكن تجاوزه في معادلة السلام الإقليمي. فمصر، بما تمتلكه من ثقل جغرافي، وخبرة سياسية، ورؤية جيوستراتيجية، تظل المفتاح الحقيقي لأي مسعى جاد نحو الاستقرار في الشرق الأوسط. ودون هذا الدور، ستبقى جهود السلام رهينة المبادرات المؤقتة، وعرضة للانهيار مع كل موجة تصعيد جديدة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان