حار جاف صيفاً ..

حار جاف صيفاً ..

د. هشام عطية عبد المقصود
07:01 م الجمعة 14 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"حلاوة شمسنا وخفة ضلنا دا الجو عندنا ربيع طول السنه" .. يهل العام الدراسي بينما يظل الصيف جاثما ونشرة طقسه تترى عبر الموبايلات وتطبيقاتها والصحف ومواقعها معلنة أنه لا يزال حارًا وكثيرًا ما يكون جدًا ورطبًا دائمًا، وستعرف أن ثمة تغيرًا ما في الكون حين تعلم بذوبان بعض جليد القطبين وارتفاع منسوب المحيطات والبحار أيضا، بينما ثبت الأمر تمامًا في وصفنا للطقس وما يضمه كتاب الجغرافيا المدرسي، ستدرك أن نسمات الهواء الباردة التي كانت تصاحبنا في أوائل ليالي سبتمبر ومعها على خجل ودود بعض الهبات ذات البرودة الخفيفة قد انتقلت لتأخذ موضعها في كتاب التاريخ بينما صمتت الجغرافيا عن ذلك، وبينما لا تزال تلك الجملة السحرية التي طالما كانت جوابًا حاسمًا يقينيًا يتبع متسرعًا عجولاً واثقاً السؤال المحفوظ، هذا الجواب الغض البريء الذي مضى علامة على طقس البلاد والأحوال المناخية عنيدا مستقرا "حار جاف صيفا ودافئ ممطر شتاء".

"يشبهوا النسمة في ليالي الصيف".. حار جاف صيفًا فعليًا مضت وقد صارت حارًا جدًا، أما الجفاف فقد تبقى ليكون محلولا وظلت الرطوبة تزداد لزوجة كشارة للصيف، الذى تعدى وتجاوز مراحل وصف وتوقعات الفلكيين فغطى أغلب فترات العام وراح معه تائهًا عابرًا منسيًا وصفًا شهيرًا لكلمات المحبين تترقرق كما النسمة وكما غناها عبدالوهاب.

"فُتناكِ بعافية يا شبابيك" بعد إجازة صيف تقل أو تزيد تأتي "دخلة المدارس"، إجازة الصيف مثلت القسم الأكبر من كتاب الطفولة والصبا، وجمعت في داخلها ألبومات الأيام الحلوة، الوجوه المنشغلة بالفرح متيقنة رغم غضاضة سنها أن "عيشنا طيف خيال" هكذا تؤرخ الصور، الخريف أو شهر سبتمبر هو حامل ذاكرة المدارس والجامعات إيابًا وانتظامًا واستيقاظاً مبكرًا وفركًا للعيون ملبيًا نداء تكرر بأن استيقظ، طاولة الإفطار وأكواب الشاي باللبن، اجتماع شمل الجميع نهارا مبكرا صحوا لا يتخلف عنه إلا غافل أو متعب، والراديو منطلق مع أول من يستيقظ في المنزل ليكون الفعل المعتاد اليومي الأول بالذهاب نحوه وإدارة مؤشر تشغيله لينطلق النداء "كل الناس بيقولوا يا رب".

العودة للمدارس وانشغال الأسر بالتجهيز لذلك مؤرخا لسنوات محبة الصيف طفولة وشبابًا براحًا ممتدًا وانشغالاً بما لا يزعج أو يهم، فضاءات التجوال في الحياة مرحًا وصحبة وقراءة وأغانى، وقد سكن أكثر ذلك أو كاد استسلاماً لعودة المدارس، ثم اليوم الأول وشبابيك المدارس التي نتشاجر ونتسابق لنلحق مكانا بجوارها لنصنع الحلم الأول والخيالات المسافرة وكما غنتها ماجدة الرومي "عقلنا كان يسرح براها"، تغيرت وتنوعت الأردية البنية التي حملت أقمشتها ختم مصانع المحلة واسم تيل نادية، كلمتان شهيرتان يحملان وصفا موجزا لزي مدرسي يحمل شكل البشر ولون حياتهم وجميل قربهم والكثير من ائتناسهم.

مدرسة واحده قريبة تجمع الكل بلا فروق إلا قليلا، الحقائب المدرسية الجلدية ذات القفل الوحيد الخارجي، حقيبة غير مكتظة الجيوب ومجلجلة بصوت "السوست" متناثرة في غزارة على جوانبها، وكأن الطالب يمضي في غربة أو متاهة في الصحراء ويحتاج معها لكل تلك الجيوب حاملة شتى الأغراض، تغير شكل الزي وتغيرت مواصفات الحقيبة وظلت تنوء في كل الأحوال بحمولة تثقل ظهور التلاميذ وهم يمضون نحو مدارسهم صمتا بينما تتسارع أيدي الأمهات والآباء في تزاحم لتضعهم داخل بوابات المدارس جريا.

"وجهك بيذكّر بالخريف" .. هل هناك من نداء عبقري أكثر حلاوة من ذلك الوصف؟ بينما – وجريا على عادة النقل عن الغرب - نقلنا أيضا وصفًا سلبيًا للخريف دون أن نخضعه لمقتضى الحال محلياً، ظلمنا خريفنا باقتباس ثم تبنى وصفه وأحواله غربياً، فبينما هو أندى فصول العام فربطناه بصفرة أوراق الشجر في الغابات الكثيفة وتساقطها وتكدسها، ومنحنا الربيع لدينا وصفاً مجازيًا حلوًا، بينما هو غالباً فصل رياح متربة وجو حار، وهكذا على نهج الاعتياد أخرجنا الخريف من بهاء طبيعته من دون أن نتمعن لنعرف أنه يحمل روائح بهجة الأيام ومشاهدها تماما كما تصفه فيروز "مثل الهوا اللي مبلّش عَ الخفيف".

إعلان

إعلان