قصص السماء... بوصلة رمضان
في زمن تتكاثر فيه الأصوات حتى يكاد الحق يضيع بينها، وتتشابك فيه المفاهيم حتى يلتبس الطريق على أبنائنا، يعود برنامج «لعلهم يفقهون» في حلته الرمضانية «من قصص السماء» عبر شاشة dmc، لا ليحكي حكايات محفوظة، بل ليوقظ فينا ما كاد يخبو. نحن هنا لا نستعد لمجرد متابعة برنامج ديني، بل نتهيأ لرحلة سنرى فيها كيف تتحول قصص الأنبياء إلى وقود للروح، وإلى بوصلة تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج. وأنت تقرأ هذه السطور، تخيل يا صديقي القارئ أننا لا نتحدث عن شاشة تضاء، بل عن قلب يستعيد نبضه.
في الحلقات القادمة سنشهد كيف سيفتح مشهد سجود الملائكة لآدم، فنفهم أن الإنسان لم يخلق عبثا، وأن الكرامة كانت أول عنوان في قصته. سنرى كيف سيستعاد درس نوح في التنوع الدعوي، لنتعلم أن أبناءنا لا يخاطبون بلغة واحدة، وأن التربية تحتاج إلى صبر القرون لا إلى انفعال اللحظة. ومع إبراهيم، سنصغي إلى خطاب اليقين وهو يواجه شكوك العصر، لنوقن أن الإيمان ليس هروبا من السؤال، بل شجاعة في طرحه حتى الوصول إلى اليقين. تأمل معي يا عزيزي القارئ كيف يمكن لقصة سمعناها مرارا أن تتجدد كأنها تروى لأول مرة حين تلامس جرح الواقع.
وهنا تكمن الفائدة الكبرى من الإصغاء إلى قصص الأنبياء، إنها لا تمنحنا معلومة فحسب، بل تبني فينا مناعة فكرية وروحية. حين يتابع الشاب قصة يوسف في عفته، سيعرف أن الطهارة قوة لا ضعف، وحين يرى بركة التخطيط في سنوات الرخاء، سيتعلم أن المستقبل لا يترك للمصادفة. وحين يعيش مع موسى مشهد الترابط الأسري، سيدرك أن الأسرة حصن لا غنى عنه في مواجهة العواصف. اسأل نفسك يا صديقي، كم يحتاج أبناؤنا اليوم إلى هذه المعاني وهم يفتشون عن نموذج يثقون به؟
إن أبناءنا اليوم يبحثون عن قدوة حقيقية، عن نموذج لا تصنعه الشاشات السريعة ولا تروجه الصيحات العابرة. يبحثون عن معنى للنجاح يتجاوز المال، وعن مفهوم للقوة يتجاوز الصخب. وهنا تأتي قصص السماء ضرورة لا ترفا، لأنها تقدم قدوات ربانية صنعت التاريخ بالصبر، وبالإيمان، وبالصدق مع الله. إنها تضع أمام الأجيال الجديدة نماذج للقيادة كما في قصة سليمان، حيث الملك امتحان، والسلطان مسؤولية، والقوة شكر قبل أن تكون نفوذا. صدقني يا عزيزي، حين يرى ابنك هذه الصورة المتكاملة للنجاح، سيعيد تعريف الطموح في داخله.
وسنرى مع شعيب كيف يكون العدل أساس العمران، ومع لقمان كيف تبنى التربية على الحكمة والرحمة، ومع ذي القرنين كيف يصبح التعاون درعا يحمي الأمم. سنصغي إلى دعاء أيوب، فنتعلم أن الصبر ليس استسلاما، بل ثبات يلد الفرج، وسنهمس مع زكريا بندائه الخفي، لندرك أن الرجاء لا يشيخ ولو شاب الجسد. تخيل يا صديقي أن كل حلقة ستكون بمثابة رسالة شخصية إليك، تقول لك إن الطريق مهما طال لا يخلو من نور.
الاستماع إلى هذه القصص في رمضان ليس عادة موسمية، بل تدريب يومي على إعادة تشكيل الوعي. كل حلقة ستفتح نافذة جديدة، وكل قصة ستضع حجرا في بناء الفهم الصحيح. ومع حضور الشيخ خالد الجندي والشيخ رمضان عبدالمعز، سيغدو السرد أكثر حرارة وصدقا؛ إذ سيحملان النص القرآني من إطار التفسير التقليدي إلى فضاء يمس قضايا الناس، ويخاطب الآباء والأمهات، ويضع أيديهم على مفاتيح الحوار مع أبنائهم. ستشعر يا عزيزي أنك تجلس في مجلس علم حي، تسمع السؤال قبل أن تنطق به، وتجد الجواب يلامس همك أنت.
إننا بحاجة ماسة إلى أن نجلس كل يوم، نهدئ الضجيج، وننصت. بحاجة إلى أن يرى أولادنا أن للقرآن مجلسا ينتظر، وأن للمعنى وقتا يخصص. حينها فقط ستتحول المتابعة إلى شغف، والشغف إلى وعي، والوعي إلى سلوك ينعكس في البيت والمدرسة والشارع. وأقول لك يا صديقي، إن دقائق الصدق هذه قد تصنع فارقا في عمر كامل.
رمضان هذا العام لن يكون مجرد أيام تمضي سريعا، بل سيكون موعدا يوميا مع قصة تشعل في القلب نار المعنى. سننتظر الحلقة التالية لأننا سنشعر أن شيئا في الداخل تغير، وأن سؤالا قد أجيب، وأن بابا كان موصدا قد انفتح. تلك هي قوة قصص الأنبياء، أنها لا تروى لتسمع فقط، بل لتُعاش. فهل نمنح أنفسنا وأبناءنا فرصة الاقتراب من هذا النور؟ وهل نجعل من «من قصص السماء» موعدا ثابتا لا يفوت؟ الأيام القادمة كفيلة بأن تثبت لك، يا عزيزي، أن من يحسن الإصغاء لا يخرج كما دخل، وأن القلوب حين تشتعل بالمعنى، تنتظر اللقاء كل ليلة بشوق لا يخبو.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع