الشيخ عبدالباسط.. وفاتن حمامة !

الشيخ عبدالباسط.. وفاتن حمامة !

خيري حسن
07:00 م السبت 02 يونيو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"الله.. الله يا مولانا، فتح الله عليك، مدد مدد، مدد.. يا ست.. يا كريمة.. يا عظيمة". بهذه الكلمات علت أصوات المصلين في ساحة مسجد السيدة زينب، بوسط القاهرة، بعدما انتهى الشيخ «عبدالفتاح الشعشاعي» من تلاوته لما تيسر من القرآن الكريم. وكان ذلك في عام 1951. بعض المصلين قاموا للسلام والتحية على السيدة الشريفة، العفيفة، الكريمة «ستنا زينب»، والبعض الآخر قام لأداء ركعتين سُنة، في انتظار مواصلة الشيخ «عبدالفتاح الشعشاعي» قراءته لآيات من الذكر الحكيم في تلك الليلة الإيمانية، والسهرة القرآنية، التي تعم جنبات المسجد «الزينبي». في ركن قصي من المسجد كان يجلس هناك شاب عمره لم يتجاوز الـ25 عاماً. يستمع إلى كبار القراء، وهو يتمنى أن يكون صوته بجانب صوتهم. الشاب هوـ في ذلك الوقت- الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.
الأجواء داخل المسجد ترتفع وتيرتها الإيمانية. خارجه صخب الاحتفال بذكرى مولد السيدة يعلو ضجيجه. وما بينهما قام الشيخ- صغير السن- بأداء ركعتي تحية المسجد، ثم جلس في انتظار مواصلة كبار المشايخ إحياء الليلة التي تنقلها الإذاعة المصرية في ذلك الوقت. بعد دقائق اقترب منه رجل يرتدى «الجلباب» و"العمة".

وملامحه تدل على أنه «صعيدي» من الجنوب. وخطوة بعد خطوة جلس بجواره وسلم عليه. الشيخ عبدالباسط رد: وهل تعرفني؟ قال: نعم أنا بلدياتك يا مولانا من محافظة قنا. فرح الشيخ وقال له: أهلا بك.. فرصة سعيدة. سكت الرجل قليلاً. ثم قال له: لماذا لا تتقدم لتقرأ. فأنت صوتك جميل. وأنا أستمع لك كثيراً في الصعيد. وهذه فرصة لتستمع لك أعداد كبيرة. رد الشيخ: ولكن كيف لي أن أجلس، وأقرأ وسط كبار المشايخ. رد: دع هذا لي.. ثم تركه الرجل قليلاً، وتقدم حتى وصل إلى الشيخ «الشعشاعي» وطلب منه أن يقرأ هذا الشاب صاحب الحنجرة القرآنية الذهبية. نعم.. على الرحب والسعة.. يتفضل نستمع له.
وبخطوات ثابتة، تقدم للأمام، وأمسك بالميكروفون. وأخذ جلسته، واستدعى أحباله الصوتية القوية. وعدّل عمامته، وبدأ في تلاوة آيات الذكر الحكيم. وحرفا وراء حرف، وآية بعد آية، انتبه كل من بالمسجد. وهدأ الضجيج بالخارج قليلاً. الآن يقرأ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد القرآن الكريم، وكان محددًا له عشر دقائق زادت إلى المائة دقيقة، وكلما ختم قراءته، تنهال عليه الأصوات من جميع جنبات المسجد. الله.. الله زدنا يا مولانا.. ربنا يفتح عليك. مدد.. مدد.. ويستجيب الشيخ لهم، ويواصل القراءة.. لينطلق بعدها إلى آفاق رحبة من الشهرة جعلته أحد أهم الأصوات، وأصدقها، وأعذبها التي تتلو آيات الذكر الحكيم في عالمنا الإسلامي. إنهاـ حسب قوله- فيما بعد بركة أهل البيت.
نحن الآن في صباح 1 يناير 1927. في هذا اليوم ولد الشيخ عبدالباسط عبدالصمد. ترتيبه الثالث بين إخوته. أخوه الأكبر محمود عبدالصمد. مفتش ثانوي سابق ويعتبر أول من تعلم بالأزهر بمحافظة قنا جنوب مصر. يليه عبدالحميد عبدالصمد ناظر ثانوي أزهري. ثم الشيخ عبدالباسط، ثم أخوه الأصغر عبدالله عبدالصمد. التحق بالكتاب مع إخوته وعمره 7 سنوات. وفى ثلاث سنوات حفظ كتاب الله. تفرغ الأب لابنه فأولاه اهتمامًا خاصًا بعدما ألحقه بالمعهد الديني بمدينة «أرمنت» فتعلم القراءات وعلوم القرآن، ووقتها نال اهتمام شيخه العالم الأزهري محمد سليم حمادة الذي قام باصطحابه معه، ليقرأ في السهرات والحفلات الإيمانية القرآنية في قرى ومدن ونجوع الصعيد، ليصبح الصبي مشهورًا وعمره لم يتجاوز الـ15 عامًا.
بعدما استمع له المصلون في مسجد السيدة زينب، وأحب صوته الناس، قرر وقتها أن يعيش في القاهرة عام 1951. اختار أن يكون بجوار مسجد السيدة زينب. وبالفعل استأجر شقة وعاش بها سنوات طويلة ثم انتقل بعدها إلى جاردن سيتي ومنها إلى منيل الروضة ثم العجوزة وفى النهاية استقر به الحال في المهندسين.
عام 1955 في شهر سبتمبر ذهبت مجلة «أهل الفن» لإجراء حوار مختلف مع رجل من أهل «القرآن الكريم»، وكان هو الشيخ عبدالباسط عبدالصمد. نشر هذا الحوار في عددها رقم 78. جاء فيه أن الشيخ عبدالباسط تزوج وعمره 28 عامًا من ابنة عمه، والتي أنجب منها 3 بنات وولدين. أكبرهم سعاد (زاد عدد أولاده بعد ذلك) ثم سأله المحرر عن أحسن ممثلة؟ قال: فاتن حمامة وأحسن ممثل: قال: يوسف وهبي. وأحسن فيلم شاهده قال: الطريق المستقيم. وعن أفضل مطرب قال: عبدالحليم حافظ وعن سيارته الجديدة وهل لديه سائق؟ رد: أنا الذى أسوق سيارتي بنفسي. ثم رسم محرر المجلة صورة للشيخ جاء فيها «أنه يحب وضع أرقى العطور.. ويرتدى أجمل الثياب، حيث يرى أن قارئ القرآن يجب أن يهتم بمظهره أكثر من أي شخص آخر. هذه الصورة ترسم ملامح الشيخ من أنه شخصية وسطية يحب الله ورسوله. ويحمل كتابه في قلبه، ويرسله في رسائل عبر صوته العذب الشجن، لكن في الوقت نفسه لا غلو في الدين عنده، فهوـ طبقًا لحديث مجلة أهل الفن معه- يشاهد الأفلام- أو بعضهاـ ويستمع إلى الغناء الجيد، ويهتم بشكله ومظهره. كانت وسيلته في الاتصال بالناس هي الخطابات، وكان يضع في درج مكتبه ألف صورة له ويضعها في خطابات بلون البنفسج، ويرسل بها إلى محبيه في كل بقاع الأرض، فهو كان حسن المظهر، جميل الهندام، وكانت هذه طبيعة الشخصية، حيث يأتي الاهتمام بالمظهر هنا كطبيعة، وليس من أجل الشهرة كما يتصور البعض. وكان يحب الأدب ومعجبا بالعملاق عباس محمود العقاد. ومحمد حسنين هيكل وكامل الشناوي وبكوميديا فؤاد المهندس.
بعدما أصيب بمرض السكر.. حاول المحافظة على نفسه جيدًا و بدأ يلتزم بالعلاج والطعام.. لكن زاد على ذلك إصابته بالتهاب كبدي.. واجتمع الاثنان معا (السكر والالتهاب الكبدي)، وبدأت رحلته مع العلاج، كان قبلها قد تعرض لحادث مرور في الصعيد. وأصيب بسببه في عينه. يومها كان في الطريق ما بين الأقصر وقنا، لإحياء ليلة تلاوة. وكان بجوار السائق.. ثم وقع الحادث. بعدها بدأت أمراض السكر والالتهاب الكبدي تدب في أطراف الجسد الذي عاش على الأرض، ودار على بحارها ومحيطاتها ويابسها من أجل نشر كلمات الله من خلال قراءة كتاب الله.
واشتد المرض.. وجاء الأطباء.. والأدوية والتحاليل.. وفى النهاية أشاروا إلى ضرورة الذهاب للعلاج في بريطانيا. وبالفعل سافر إلى لندن.. وما هي إلا أيام قليلة قضاها في المستشفى ثم قال بعدها لابنه طارق عد بى إلى مصر.. سأموت هناك. لماذا يا أبي؟ يرد الشيخ: أريد أن أعود إلى بلدي وأهلي وناسي وإن كان في العمر بقية، فلتكن هذه البقية على أرض مصر.. فيها عشت، وفيها أدفن.


وفى 30 نوفمبر عام 1988

رحل الشيخ، بعدما أوصى بأن يدفن في الامام الشافعي، بالقرب من المسجد الذي كان يقرأ فيه كل يوم جمعة سورة الكهف لعدة سنوات.
.. نعم مات الشيخ.. لكن بقى صوته لحنًا مميزًا من ألحان السماء، يخفف به سامعوه، ومريدوه، ومحبوه ـ بآيات الذكر الحكيم ـ هموم الدنيا.. وأوجاع الزمن.

إعلان

إعلان