• لم أقرأ أحمد خالد توفيق.. فهل كفرت؟

    لم أقرأ أحمد خالد توفيق.. فهل كفرت؟

    علاء الغطريفي
    07:00 م الخميس 05 أبريل 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    أعتقد أن الجدل الذي أثير حول الراحل، عليه رحمة الله، كان تعبيراً عن اختلاف وخلاف أيضاً بين الأجيال، فمن لم يقرأوه لا يهتمون بهذه النوعية من الأدب، ويجدونه مناسباً لجيل آخر، وهذا الجيل الآخر الذي تفتَّح ذهنه ودفعه أحمد خالد توفيق للسياحة الفكرية يراه ملهماً، وأصبح قِبْلَة أبناء هذا الجيل للقراءة والاطلاع، بل صنع له في وجدانهم قدسية ما تتعلق بالمعلم الذي شكَّلهم كما يصف بعضهم.

    وهنا لم يخطئ هؤلاء أو هؤلاء، فالجيل الذي لم يقرأ أحمد خالد توفيق لا تستهويه تلك الكتابة و"الماورائيات"، ويعتبرها خفيفة لا تتناسب مع قراءات يراها أعمق كثيراً من مؤلفات الراحل.

    أزمتنا أعتقد أنها تتعلق بإدارة اختلافاتنا، فهوانا الشخصي يرغب الآخر في أن يتدخل فيه لصالحه، رغم أننا من المفترض أحرار، ولدينا إرادة الاختيار، وتأثير محيطنا حتى لو كان غالباً فلن يتمكن بالضرورة من أن يستلب هوانا الشخصي مهما حدث، فهناك خصوصية ما حتى لو حوصرت، يظل كل واحد فينا متمسكاً بها، بما فيها مشاهدة "نقّار الخشب" أو "توم وجيري" أو "المغامرون الخمسة"، مزاجنا الشخصي هو الذي يعزز تنوعنا ويثرى الحياة، ويصنع أذواقنا وتفضيلاتنا، ويخدم إعمار الكون.

    إذا سألت أحد أبناء جيلنا.. هل تحب حميد الشاعري؟ فبعضنا قد يراوغ في الإجابة، والبعض الآخر قد تكون لديه الشجاعة ليعلنها صريحةً واضحةً رغم اتهامه بإفساد الغناء أو ما شابه، فهناك من سينظر إليك بازدراء؛ لأنك قلتها دون أن تعطف عليها عشقك للطرب الأصيل، في متتالية الكذب اليومي لإضفاء صورة ذهنية ما عن تفضيلاتنا واختياراتنا ودماغنا وحكمتنا وتذوقنا وعمقنا.

    نعم نحب حميد الشاعري، وتأثرنا به وبموسيقاه، فهناك جيلان على الأقل تشكَّلا مع أغانيه وتوزيعاته الموسيقية وحركته الفنية.

    عودة إلى أحمد خالد توفيق، لن يضيرك أنك قرأته، ولن يضيرك أنك لم تقرأه، الضرر فقط فيمن لا يقرأون شيئاً طوال حياتهم، لا تحاسبوا الناس على تفضيلاتهم، ولا تنصبوا أنفسكم حكاماً على هواهم الشخصي، ما دام لا يمثل تهديداً لأحد.

    أعتقد أن حالة الاستقطاب على مستوى المجال العام عززت الجدل، وانقسمنا كالعادة إلى أهلي وزمالك، ومؤيدين ومعارضين، رغم أن المسألة تنطوي فقط على كاتب رحل عن دنيانا، لكنه ترك شيئين، منتجاً أدبياً له جمهوره، ومحبين يعشقونه بصدق، ومن ثم دعهم لأحزانهم.

    لنسأل هؤلاء وهؤلاء، من منكم لم يستمع إلى المهرجانات في سيارته، رغم أنه في العلن يلعن السبكي وأوكا وأورتيجا و"فرتكا فرتكا"، نحن بشر نتباسط في أوقات، ونختلى بأنفسنا في أخرى، ونكون على راحتنا بالبلدي في ثالثة، ونردد "لأ لأ"، و"إلعب يلا" عادي والله.

    يا هؤلاء وهؤلاء، فكوها لا أنتو غلط ولا همّ غلط، الغلط أننا لحد دلوقتى مش قادرين نعترف باختلافاتنا، قد تقرأ مكسيم غوركي بعد أن مررت بتجربة "خليل حنا تادرس"، وبعضنا أنهى ثلاثية نجيب محفوظ، وكان يطالع في الوقت نفسه (طبيبك الخاص "باب الصحة الجنسية")، وآخرون كانوا يذهبون متلصصين ليشتروا مجلة الشبكة اللبنانية من بائع الصحف.

    من قرأ أحمد خالد توفيق ليس تافهاً خفيفاً، ومن لم يقرأه ليس عميقاً فظيعاً مريعاً، يا أهل الخير احترموا اختلافكم ففيه رحمة، وبالتنوع تستمر الحياة، فلو تشابهنا وصرنا نسخة واحدة لفسدت الأرض..!

    من هاجم كتابات أحمد توفيق لم يكفر، ومن لم يقرأه لم يكفر، ورسالة تقدير واحترام واجبة إلى كل من يكتب حرفاً أو كلمة أو سطراً لينير العقول، ويشفي غليل المعرفة، ويشكل خيالنا أياً كان وأينما كان..!

    إعلان

    إعلان

    إعلان