الانحياز للضحية.. لماذا هو واجب مجتمعي وإعلامي؟
إن أسوأ المشانق، هي تلك التي تعلق للضحايا. مرة بحجة أنهم أخطأوا أو أساؤوا التقدير، ومرة بحجة أنهم كانوا حمقى كفاية ليخدعوا، وثالثة بحجة "هم أيضا ليسوا ملائكة بأجنحة"، ورابعة بحجة أنهم كانوا أضعف من مواجهة الجلاد، أو "ارتضوا بالصمت"، ومئات الدعاوى الأخرى التي تساوي أحيانا بين الضحية والجلاد، أو تضع مرآة مقعرة على "سذاجة" الضحية وخطأ لها، أو تبحث في الضحية عن ثغرة لوصمها مجتمعيا.
في الجرائم التي لا تحتمل وصما، تكون هذه المشانق منعدمة. لكن في الجرائم التي يحمل ضحيتها وصما مجتمعيا حتى اليوم، تكون هذه المشانق طوق نجاة للجلاد، أو على أقل تقدير "غسل لسمعته" مجتمعيا.
وأسوأ ما يمكن أن يقع فيه مجتمع هو أن يجعل هذه المشانق معلقة للضحايا، وأن يتساهل مع مستدعي المشانق للضحايا. لوم الضحية، هو صدمة نفسية ثانية، تزلزل الثقة في المجتمع وعدالته، وأحيانا تعصف بنفس الضحية.
في قضية فتاة الأتوبيس، سارع البعض لاستدعاء المشنقة الأسهل: "شفتوا لبس البنت؟" و"شفتوا الحلق اللي في بؤها؟"
تبدو أسئلة بريئة لكنها في الحقيقة تتساوى تماما مع جرم الاتهام، فهكذا تماما تصبح "محامي الشيطان"، تبحث عن ثغرة في الضحية لقلب الوضع عليها! وأحيانا أن تبحث في الضحية عن اختلاف لا يجعلك تشبه من تهتم بهم! هي ليست مثل ابنتي، لذا لا تعاطف معها!
كانت المشانق جاهزة بمجرد تداول فيديو فتاة الأتوبيس، وبدلا من المطالبة بالتحقيق أو انتظار نتائج التحقيقات، انشغل البعض بالدفاع عن المتهم، بل "وغسل سمعته كلية" رغم أنهم لا يعرفونه.
ومع التحقيقات، بدأت صفحات في ترويج شائعات حول التحقيقات ونتائجها لتغسل سمعة المتهم. وأخيرا، أحيل المتهم للمحاكمة العاجلة بتهمة التحرش بالفتاة وملاحقتها قبل أسبوع من الفيديو بناء على التحريات والتحقيقات.
ولا يزال الشاب متهما، حتى يصدر حكم القضاء. لكن، أيضا لا يتوقف البعض عن غسل سمعته بالتشكيك في الفتاة.
ما حدث لفتاة الأتوبيس "سكين وصم مسلط" يرهب مئات الفتيات ويمنعهن من التصدي للمتحرشين. ونفس السكين سلط ضد الضحايا مع تداعي شهادات التحرش ضد "اثنين في الوسط الثقافي".
البعض تركوا المتهمين، وعينوا أنفسهم قضاة على الضحايا: "كيف ذهبن معه لمنزله؟ كيف تركت نفسها لتلاعبه؟ كيف لم تتصد الضحية له؟ وانظروا لألفاظ أو ملابس الضحية!"
أو يتركوا الشهادة المؤلمة للضحية، ويبدأ التساؤل عن تطورات حالها: "هل يعرف زوجك بما حدث لك في الماضي؟ صعبان علي زوجك؟!"
وهذه تماما هي جوهر أسئلة "محامي الشيطان"، اترك الجريمة وتفاصيلها، واطعن في الضحايا. وربما يرى البعض أن هذه الأسئلة ليست إلا محاولة بحث عن الحقيقة. لكن الحقيقة أنها ليست إلا محاولة دفن الحقيقة، لأسباب عدة: ربما لأن طارحها يريد غسل ضميره هو، أو أنه يبحث عن خطأ للضحية ليقنع نفسه أن ما حدث لن يتكرر له أو لمن يحب.
لكن أسوأ الأسباب، هو أن شريحة غير قليلة لا ترى الأمر باعتباره جريمة قانونية مكتملة. صدمتني هذه الحقيقة، عندما تجمع شباب لنجدة فتاة صرخت في الشارع، وهرع أصدقاء لها لنجدتها، وجاء رجل مهرولا وسألني "أيه اللي حصل حرامي؟"، فأجبت "لا متحرش اتحرش بواحدة"، فرد باستنكار "ومتجمعين عليه ليه؟". لم يكمل الرجل استنكاره وهاجمته فتيات كن متواجدات في الشارع. وبشكل ما موقف الرجل هو أكثر ما تخاف منه الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش.
الانحياز للضحية.. لماذا هو واجب مجتمعي وإعلامي؟
يخسر المجتمع كثيرا، عندما يختار ألا ينحاز للضحايا. والانحياز للضحية، لا يعني التسليم بالاتهام بلا أدلة. لكنه يعني عدم التشكيك في الضحية وروايته بدون دليل قطعي، وعدم التساهل مع استدعاء "سكين الوصم" للضحية.
في الوقائع الثلاث التي ذكرناها، شجعت الاتهامات الأولى ضحايا قدامى للتحدث. خرجت فتيات وشباب بشهادات مؤلمة حول وقائع قديمة. ما يعني ببساطة أن سكين الوصم الذي دفع الضحايا الأوائل للصمت، كان حبلا على الجرار جرف بعده ضحايا جدد، ومآسي جديدة.
"وصم الضحية" يدفع أهالي للصمت على التحرش بأبنائهم من الجنسين، بل وعلى هتك العرض والاغتصاب. ويفتح القوس لضحايا جدد، لأن الجاني يبقى طليقا، ومع كل مرة ينجو من العقاب يتوهم أنه قوي وأنه لن يعاقب على جرائمه.
وبشكل مؤكد، لن ينجو المجتمع من داء "التحرش" إلا حينما ينتصر للضحايا، ويدرك المتحرش أنه سيدفع الثمن قانونيا ولن يحصل على صك "غسل سمعة" مجتمعي.
في الإعلام، 5 مبادئ أخلاقية أساسية، 3 منها على الأقل تفرض على وسائل الإعلام الانحياز للضعفاء والضحايا، فالمسؤولية ومراعاة المصلحة العامة، والولاء للجمهور، وتقليل الضرر الهامشي، ثلاثتها تعني الدفاع عن الضعفاء وأن تكون صوت من لا صوت له.
وإعطاء الإعلام ظهره للضحايا، والانجراف وراء "ترند" أو "مزاج عام خاطئ" هي شعبوية، تسقط الإعلام من مكانته وتحوله لدعاية مجتمعية خاطئة.
لذا على المجتمع والإعلام أن يؤسسا لتعاط واع مع جرائم التحرش وشهادات التحرش والاغتصاب وهتك العرض، يقوم على مبادئ أخلاقية وقانونية أساسية:
1. حماية الضحايا في جرائم الوصم. وهذا يتضمن إخفاء هويتهم إذا تطلب الأمر ذلك، وعدم تعريضهم لحملات انتقاص أو انتقاد شخصية تهدف لغسل سمعة المتهم.
2. استغلال ضعف الضحايا، ظرف مشدد. ولا يمكن عكس القاعدة، واستخدام حالات ضعف الضحايا للنيل منهم.
3. استغلال القصر جنسيا، هتك عرض واغتصاب. ولا يمكن الزعم بموافقة رضائية من قاصر.
4. لا تعني لا. ولا يمكن أن نتعامل معها باعتبارها رفضا غير كاف، أو "تمنع وهن راضيات".
5. استغلال ضعف الضحايا، يتضمن استغلال المتهم أي ولاية على الضحية مثل أن يكون مديرا للضحية في العمل أو مدرسا له، أو يمثل أي دور له "إرشاد روحي" بأي شكل.
6. شغل الرأي العام عن الجريمة بإلقاء الضوء على الضحية وحياتها الشخصية ولبسها وأفعالها، جريمة إعلامية ومجتمعية وقانونية، ومحاولة "غسل سمعة" للمتهم أو المدان.
7. حماية الضحايا، هو في الحقيقة حماية للمجتمع كله. لأن حماية الضحايا والانحياز لهم لا يعني فقط إدانة الجريمة ومرتكبها في حال إدانته، لكنه يمنع إفلات المجرم من جريمته، وبالتالي منع تكرارها مع ضحايا جدد.
8. التحرش جريمة، لا يمكن التساهل معها، أو تبريرها بأي شكل. وأي محاولة لصرف نظر المجتمع عن الجريمة بأمر هامشي "لتحويل الضحية لشخص غير جدير بحق الشكوى"، هي محاولة لغسل سمعة المتهم.
9. الانحياز للضحايا ليس حكما على المتهم بالإدانة. يبقى المتهم متهما، حتى تصدر المحكمة حكمها. هذا يعني حماية هوية المتهم، وفق الأعراف الإعلامية. وعلى الإعلام الانحياز للضحية -عبر حمايته ودعم حقه في الشكوى- ما إن تبين الحقيقة الصحفية ذلك، فإن تغيرت الحقيقة الصحفية تغيرت الضحية معها، ووجب الانحياز للضحية في كل الحالات.
10. التشكيك في رواية الضحايا يتطلب أدلة قطعية: "حقيقة صحفية" وحكم قضائي، وليس مجرد حديث لشاهد أو متهم أو طرف ثالث.
11. الانحياز للضحية لا يعني إصدار حكم على المتهم، لكنه يعني توفير مناخ آمن للشكوى والإبلاغ دون تخويف أو تشويه ووصم.
12. على الإعلاميين تقليل الضرر الهامشي، وهذا يتضمن حماية خصوصية الضحية وأسرتها، وأسرة المتحرش، وعدم نشر صور هامشية تتضمن "أشخاصا ليسوا طرفا" تضعهم في ضوء زائف.
13. لتلافي تكرار الأخطاء الإعلامية، على كل مؤسسة إعلامية إنشاء دليل داخلي للتعامل مع قضايا التحرش والاعتداء وإعلانه بشكل واضح في سياستها التحريرية، وعلى النقابة تنظيم تدريبات موسعة على التغطية الحساسة لقضايا التحرش والعنف الجنسي.
أخيرا.. المجتمع الذي يحاكم ضحاياه قبل جلاديهم، لا يفقد العدالة فقط، بل يفقد الإنسانية والعقل.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع