• فريضة الوقت

    فريضة الوقت

    د. ياسر ثابت
    09:01 م الثلاثاء 06 مارس 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    في الوقت الذي نشدد فيه على أهمية دعم الحريات العامة والفردية من أجل وطنٍ أفضل، لا بدَّ أن نقر بأهمية التنمية سبيلًا للخروج من مأزق أوضاع اقتصادية ضاغطة على الطبقات الاجتماعية والأحوال المجتمعية بطريقةٍ بلغت ذروتها.

    إن عوامل الفقر والجهل وتدني مستويات الخدمات الأساسية تحتاج جميعـًا للتغلب عليها عملًا تنمويـًا متكاملًا ومستدامـًا، ومثل ذلك العمل يستحيل تحققه في مصر دون انفتاح سياسي وسيادة قانون تصون الحقوق والحريات ومجتمع مدني يتمتع بالاستقلالية وقطاع خاص يدرك أبعاد دوره المجتمعي بجانب توجهه للربح.

    أي جهود تُبذل لتحريك الاقتصاد وضخ استثمارات جديدة في شرايينه المتيبسة تستدعي رفع منسوب الثقة العامة في استتباب الأمن وفق قواعد دولة القانون، كما تستدعي تحسين الصورة السياسية على نحو يوفر بيئة أكثر استقرارًا ومجتمعـًا أكثر تماسكـًا في النظر إلى تحدياته وأولوياته وخياراته الرئيسية.

    التماسك مسألة توافق وقدرة على فتح نوافذ الحوار لا سدها بالقبضة الأمنية. غياب القواعد القانونية ينال من كل استقرار ويضرب في كل تماسك ويشجع الإرهاب على أن يضرب في مجتمع تتنازعه صراعاته.

    إن مصطلح "الحوكمة الرشيدة" ينصرف إلى مجموعة من الركائز من أبرزها: شفافية السياسات والإجراءات التي تتبعها السلطات العامة، محاربة الفساد، تعزيز دولة القانون وتحسين أداء مؤسساتها الأساسية، احترام القيم الديمقراطية، توفير البنية الأساسية المادية والمعلوماتية، وضبط آليات عمل الأسواق بما يضمن حقوق الملكية وإنفاذ العقود ولا يخل بتشجيع مبادرات القطاع الخاص.

    إن مصر رهينة تغييب البدائل ومحاربة صناعتها. رهينة تهميش الأهلية، وتأميم المشاركة، والحجب القسري للكفاءات بالبيئة الطاردة لها. رهينة بيروقراطية قلقة تتحسس كراسيها ورأسها أكثر من تلمسها بدايات صحيحة لمسارات الخروج من أي أزمة. رهينة الانحياز لماضي الميكيافيلية البائسة الذي ينفق إبداعه في محاولات التدليس على الناس إخفاقـًا وخوفـًا وتعاليـًا على إشراكهم. رهينة مساومتها على الحرية باسم الأمن وعلى الكرامة باسم الخبز.

    والحقيقة أنه "يجب التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة"، كما يقول الإمام الشيخ محمد عبده.

    خطوات الإصلاح الديمقراطي معروفة.

    مطلوب تداول ديمقراطي سليم للسلطة، وتقوية دور المؤسسات، والعمل على إثراء العمل المؤسسي كوسيلة لتنمية الدولة الوطنية، وإقامة مجتمع مدني حر، يتسم باحترام مبدأ المواطنة كضمانة للحكم الرشيد، وقادر على إثراء التنوع بداخله.

    كما يجب دعم اللامركزية وتمكين المجتمع المحلي من صنع واتخاذ القرار، ودعم وتمكين الأحزاب السياسية وحريات العمل العام والحريات السياسية باعتبارها ضمانة للديمقراطية وتفعيل قدرة النظام السياسي ومؤسساته على التفاعل الإيجابي ومواكبة التطورات العالمية.

    فريضة الوقت في مصر هي إنهاء الاستقطاب المجتمعي والسياسي، والعمل على دمج كل فئات وتيارات المجتمع في العملية السياسية طالما التزمت بقواعد اللعبة السياسية. ويلزمنا أيضـًا دمقرطة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بما يعمل على خلق مجتمع حر تعددي، إلى جانب تطوير وإصلاح منظومة العدالة.

    نقول هذا ونحن نعي أن المجتمع يمر بحالة مخاض ليس فقط على مستوى العلاقة بالدولة، ولكن على مستوى الأنساق الاجتماعية والثقافية وعلاقة الأفراد.

    ليس أمامنا إلا أن ندعم مسيرة التنمية، مع المطالبة بدفع العملية الديمقراطية وحماية الحريات العامة والفردية، حتى تتكامل عوامل تقدم المجتمع على أسس سليمة وراسخة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان