• ارحمونا.. ربنا رزقكم بتغيظونا!

    ارحمونا.. ربنا رزقكم بتغيظونا!

    د. براءة جاسم
    09:00 م السبت 13 أكتوبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    "هو انتوا عشان ربنا رزقكم حتغيظونا".. "هو انت عشان ربنا اداك حتصورلنا عربياتك".. لا تكادُ تخلو مواقعُ التواصلِ الاجتماعي يوميًا من تلك التعليقات لمتابعي شخصياتٍ مختلفة، وما بين حاقدٍ وكائدٍ، وحاسدٍ ومصابٍ بالهلعِ والوساوسِ من عيون الآخرينَ الـ"مداري على شمعته" حتى كادت تحرقُهُ هذه الشمعة، وبينَ "محدِثي النعمة" الذين طفَوْا على السطح وكارهيهم تعجُّ مواقعُ التواصل الاجتماعي بنقاشاتٍ لا آخرَ لها.

    وهناك مجموعاتٌ كثيرة لا يمكنُ حصرُ اختلافاتهم وأهدافِهم على نحوٍ دقيق، ولكن منهم مَن هم خارج لعنةِ هذه اللعبة، أو أولئك المميزون بخفّةِ الظلِّ والنية الحسنةِ والنزعةِ الإنسانية، ويمكنني أن أطلقَ عليهم "قوات المش عارفين نعمل إيه بس أدينا بنحاول"، وهذه المجموعةُ تنقسمُ إلى عدةِ فروعٍ لن أتحدَّث عنها باستفاضةٍ، لكن جزءًا منهم يظهرُ لنا بمنشوراتٍ من عيّنة: "هو انت فاكر الناس كلها مركّزة معاك وحتحسدك؟!"، والعجيب أنَّ هؤلاء أنفسَهم عادةً يقول لسانُ حالِهم: "ليه بتبصّولي حتى في ضحكتي؟!"، ومنهُم فئةٌ هي مربطُ الفرس في هذا المقال، ذلك أنّهم عادةً ما يخرجون علينا قُبَيل عيد الأم تحديدًا بدعواتٍ تبدو حسنةَ النية، ملؤها الحبُّ ونشرُ السلام في العالم الافتراضي، يطالبونَ فيها بألَّا يحتفلَ المجتمعُ بعيدِ الأمِّ مراعاةً لمشاعرِ من فقدَ والدتَه، والأمثلةُ من مثلِ هذه المقاصدِ لا حصرَ لها.

    ودعونا نوجّه سؤالًا: إذا طبّقنا قاعدة "لا تفعل كذا لأن هناك من لا يستطيع" على مختلِف مناحي الحياة، فأين نضعُ الخط الفاصلَ لهذا المبدأ؟ ومن يضعُه؟

    لا تشترِ سيارة؛ فهناك من لا يملك ثَمنَها.. لا تقُدْ سيارة؛ فهناك من لا يستطيع القيادة.. لا تستخدم التاكسي؛ فهناك من لا يتمكّن ماديًا.. لا تركب المواصلات العامة، فهناك من لا يستطيع.. لا تمشِ؛ فهناك من حُرِمَ نعمة الحركة.. لا تُنجِب؛ فهناك من حُرِمَ نعمةَ الإنجاب.. ولا تدلّل أولادَك أمامه، لا... لا... لا... إلخ.

    إن تطبيقَ هذا المبدأ يخلِطُ الحابلَ بالنابل، وتختلطُ به مراعاةُ شعور الغيرِ داخل بعضنا بالقلق من الغير عند البعض الآخر، فلو تعمّقنا لوجدنا مع الوقت تحوّلَ الشعور بالتعاطفِ إلى الخوفِ من الآخر والذعرِ من فكرة الحسدِ والحقد على ما وصلنا إليه، وتنشأ لدى الطرفِ الآخر مشاعرُ تتأرجحُ بين الغضبِ والحقدِ فيُظهرُها في صورة عدم مراعاةِ فلان لمشاعر فلان... إلخ، وتتحوّلُ إلى دائرةِ شرٍ لعينةٍ يصعُبُ كسرُها بين جميعِ الأطراف.

    علينا إعادةُ النظرِ في تلك الأسسِ التي نحاولُ صبَّها في بناءِ المجتمعِ بحُسنِ نية، ففكرةُ ألّا تفعلَ كذا حتى لا يشعرَ الآخرُ بكذا هي فكرة نبيلة في ظاهرِها عقيمٌ في باطنِها، تُنشئُ أناسًا يخافونَ الحسدَ والحقدَ الذي يتولّدُ عن غيرهم من أي إنجازٍ يحققونه في الحياة، ويصبحُ الأمرُ كلّه استفزاز طرفٍ وحقدًا من الطرف الآخر.

    والأجدرُ أن نربيَ أبناءنا على القناعةِ والنظر فيما لديهم من نِعمٍ ومميزاتٍ، دون مقارنةِ أنفسهم بغيرهم، وهذا أولًا.

    ثانيًا نربيَهُم وأنفسَنَا على الفرحِ وتمنّيِ الخير للغير، وأن يرتبطَ لدينا مفهومُ النجاح والإنجاز بالسعي وبذل الجهد وليس بتمني فشل الآخرين أو زوال نعمهم، فيستوي ميزان العلاقة بين القادر وغير القادر، أو بين الغني والفقير، أو بين من رُزق نعمةً ومن حُرِمها، فتتحولُ الدعواتُ مِن "لا تحتفل بعيد الأم" مثلا إلى "لقد اقترب عيدُ الأم فلتذكّر أمهاتِنا الفضليات نترحّمُ على من مات منهنّ وندينُ بالفضلِ والشكرِ لمن بقيَ منهنّ معنا، ونزور من كان وحيدًا منهنّ، وللأمهات أن يدعونَ أصدقاء أبنائهنّ أو أفراد الأسرة ممن فقدوا والداتهم لتذكرِهم بالرحمة والخيرِ والاحتفاءِ بهنّ.

    غايةُ القولِ أن نستبدلَ بأفكارنا وسلوكياتنا السلبيةِ كلَّ إيجابي، وأن نراعيَ شعورَ الغيرِ دون أن يؤدي ذلك إلى التوقّفَ عن ممارسة الحياة بشكلٍ طبيعيٍّ وعملِ ما يُسعدنا، بشرطِ ألّا يتحوّل سلوكنا إلى التفاخر الزائد على الحدّ، فلا نكون كما يُقال "مُحدِثي نعمة"، بل نتشاركُ إن استطعنا الأفراحَ والأحزان، ونُبعد عن حياتنا أصحابَ الطاقة السلبية، سواء من المتفاخرينَ أو الحاسدينَ والحاقدين.

    إعلان

    إعلان

    إعلان