عام البلطجة الشعبية والطناش الرسمي

عام البلطجة الشعبية والطناش الرسمي

أمينة خيري
09:00 م الإثنين 25 ديسمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يلملم عام 2017 متعلقاته، راحلاً غير مأسوف عليه. لكن قبل اللملمة ينبغي بعض من الحساب. ولأنني شأن الملايين طفح بنا كيل السياسة، وتفجّر من خلايانا ضجر الاقتصاد وإصلاحاته (وفي أقوال أخرى الدواء المر الجاري تجرعه)، فإن ما يعنينا هذه الآونة تفاصيل حياتنا اليومية التي لا تقل طفحًا عن السياسة، أو مرارة عن الاقتصاد.

اقتصاد حوادث الطرق في مصر مريع، وآثاره الإنسانية أقل ما يمكن أن توصف به هو أنها جرائم كاملة الأركان، والمجرم هو ذلك القابع الساكت الكامن المكتفي بموقف المتفرج من شوارعنا المنقلبة إلى مجازر على مدار اليوم. منظمة الصحة العالمية تقول إن 12 ألف مصري ومصرية يفقدون حياتهم سنويًا على الطرق المصرية، و19 ألفًا يصابون إصابات تتراوح بين العجز الكلي والكسور والرضوض، ناهيك عن نحو 21 ألف مركبة مهدرة، و72% من الحوادث سببها العنصر البشري.

البشر الذين لا يفقهون من القيادة إلا الضغط على البنزين، والبلطجة على من حوله ورفع شعار "أنا وبس"، إما حصلوا على رخص قيادة دون وجه حق، أو لم يحصلوا على رخصة من الأصل، وفي الحالتين الجاني واحد.

واحد ممن سألتهم من إدارة المرور عن التصرف في حال صدم "توك توك" سيارة، أو شخصًا قال بثقة بالغة: "يجري وراه ولو عرف يمسكه يجيبهولنا"! الرد البليغ على السؤال الحكيم ربما يحمل قدرًا من خفة الظل، لكنه يحمل رمزًا لما كان عليه حال الشارع في عام منصرم.

الرمز الذي يمكن أن نعممه على مجريات حياة المصريين في عام 2017 هو "إجري وراه ولو عرفت تمسكه جيبه". لكن غالبية المصريين غير قادرة على الجري بسرعة، فقد أعيتنا سبع سنوات شداد رهاب عجاف، وقبلها عقود من الهبد والرزع، تارة بحلم القومية والكرامة، وأخرى بالعلم والإيمان والرئيس المؤمن، وثالثة بـ30 سنة إنجازات، ورابعة ببالوعة الإسلام السياسي الذي جنى ثمار سنوات التجهيل والتغييب. ومن ثم، فإن الاعتماد على لياقة المواطن المنهك في الجري وبسرعة للإمساك بمن ظلمه ليأتي به إلى الجهات المسؤولة عن المحاسبة هو شراء لراحة البال واستمرار لإطلاق المواطنين بعضهم على بعض، حيث البقاء للأقوى، والأعتى بلطجة، والأجسر على خرق القوانين.

وعلى الرغم من أن العام 2017 شهد عودة لسطوة الدولة لاسترداد حقوقها المنهوبة، حيث حملات استعادة الأراضي المستولى عليها، وفورات ملاحقة والقبض على مهدري المال العام والمرتشين والفاسدين، إلا أن القاعدة تعاني تحللاً في القواعد وتهلهلاً في القوانين وتغلغلاً للعشوائية والبلطجة، بينما عين القانون نصف مغمضة.

الغموض الذي يحيط بالتفاصيل الصغيرة لحياتنا في عام 2017 تمدد وتفاقم وتكاثر. غالبية المواطنين باتت تعرف أن حقها مهدور لو لم تأخذه بيدها. من سائق التاكسي الذي يرفض تشغيل العداد، للمدرس الذي اعتبر وجوده في المدرسة إهدارًا لوقته المخصص للدروس الخصوصية، للجار الذي اعتبر الرصيف جراجًا لسيارته، لصاحب السوبر ماركت المتحكم في الأسعار دون حسيب أو رقيب، لسائق الميكروباص الذي يخبط من يشاء ويدهس من يشاء ويسبّ ويلعن من يشاء إلى آخر قائمة تفاصيل حياتنا اليومية باتت حياتنا على كف عفريت.

عفريت الإرهاب الذي يضرب بين الحين والآخر بات الجميع يترقبه، ويتفهم حجم المسؤولية الملقاة على عاتق أجهزة الدولة. لكن ما نتعرض له جميعًا من أخطار لا يتعارض ودور الدولة عبر أجهزتها في تطبيق القانون. ملايين المصريين – سواء كانوا على طرف البلطجة والعشوائية والانتفاع بضياع هيبة القانون، أو أولئك القابعين على الطرف الآخر، حيث الوقوع ضحايا للبلطجة الشعبية من جهة والطناش الرسمي من جهة أخرى- باتوا على يقين بأن الدولة تعاني وعكة قانونية.

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن عام 2016 عام الشباب المصري، و2017 عام المرأة المصرية، فهل يعلن 2018 عام القانون المصري؟!

 

إعلان

إعلان

إعلان