إعلان

أسعار النفط تحت ضغط "التصعيد الصامت".. هل يواصل الصعود؟

كتب : أحمد الخطيب

05:20 م 04/05/2026

أسعار النفط

تابعنا على

يرى خبراء بقطاع الطاقة والاقتصاد، خلال حديثهم لـ"مصراوي"، أن أسواق النفط دخلت مرحلة "تسعير القلق"، حيث لم تعد التحركات مرتبطة فقط بأساسيات العرض والطلب، بل باتت رهينة التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز وتضارب الإشارات السياسية بين التهدئة والتصعيد.

وفي ظل عجز متزايد في الإمدادات ومخاطر تهدد سلاسل النقل، تتجه الأسعار إلى موجة صعود مدعومة بعلاوة المخاطر، مع احتمالات أوسع لتداعيات اقتصادية تمتد من التضخم إلى تراجع الطلب عالميًا.

وتعكس التطورات الأخيرة في المشهد الأمريكي الإيراني حالة من "التهدئة الحذرة" التي تبقي أسواق النفط في دائرة الترقب والضغوط الصعودية.

فعلى الرغم من تأكيد البيت الأبيض، في رسالة رسمية إلى الكونجرس، أن الأعمال العدائية مع إيران "انتهت"، فإن مضمون الرسالة حمل تناقضًا واضحًا، إذ أقر دونالد ترامب باستمرار الحصار، بما يعكس بقاء عوامل التوتر الجيوسياسي دون حسم كامل.

ووفقًا لوكالة "أسوشيتد برس"، تأتي هذه الرسالة في سياق قانوني وسياسي معقد، حيث تجنبت الإدارة الأمريكية فعليًا الموعد النهائي للحصول على موافقة الكونجرس بشأن استمرار العمليات العسكرية، وهو ما يعزز حالة عدم اليقين حول مسار الصراع، ويبقي المخاطر الجيوسياسية حاضرة بقوة في حسابات أسواق الطاقة.

وميدانيًا، زادت التحركات الأمريكية من حساسية المشهد، بعد إطلاق عملية واسعة لتوجيه السفن التجارية عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين إمدادات النفط عالميًا، في محاولة لإعادة انسياب التجارة الدولية.

ورغم تأكيد واشنطن أن هذه الخطوة لا تعد مرافقة عسكرية تقليدية، فإنها تعكس تدخلًا مباشرًا لضمان أمن الملاحة في ممر يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط البحرية عالميًا.

وبحسب "سي إن إن"، جاءت هذه التحركات استجابة لضغوط دولية لفك اختناقات الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام احتمالات التصعيد، خاصة مع التحذيرات الإيرانية التي وصفت التدخل الأمريكي بأنه انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار.

ويضع هذا التباين بين التهدئة المعلنة والتصعيد الميداني أسواق النفط أمام معادلة معقدة؛ إذ يكفي أي اضطراب محدود في مضيق هرمز لدفع الأسعار إلى الارتفاع، في ظل مخاوف تعطل الإمدادات أو زيادة تكاليف التأمين والشحن.

اقرأ أيضًا: انسحاب الإمارات من أوبك.. هل يقود النفط إلى انهيار سعري؟

إشارة سلبية تبقي أسعار النفط تحت الضغط

في هذا السياق، يرى الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن "انتهاء الحرب مع استمرار الحصار" تمثل مؤشرًا سلبيًا للغاية على أسواق الطاقة، وتعكس حالة من عدم الاستقرار تدفع نحو استمرار الضغوط على أسعار النفط خلال الفترة الحالية.

ويؤكد القليوبي لـ"مصراوي" أن التناقض بين إعلان التهدئة والتحركات الميدانية، وعلى رأسها ما يعرف بـ"مشروع الحرية" لتأمين مرور السفن والناقلات، يعني أن الأوضاع ستظل "كما هي عليه" دون انفراجة حقيقية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه التحركات إلى فرض سيطرة مباشرة على طرق نقل الطاقة، خاصة في منطقة بحر العرب ومضيق هرمز.

ويضيف أن هذه المنطقة تمثل شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية، حيث يمر عبرها نحو 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، إلى جانب كميات ضخمة من النفط، ما يجعل أي تدخل عسكري أو أمني فيها عامل ضغط مباشر على الأسواق.

ويشير القليوبي إلى أن ما يحدث يعكس معادلة جديدة تقوم على "الحماية مقابل النفط"، حيث توفر الولايات المتحدة تأمينًا عسكريًا للممرات البحرية مقابل مكاسب اقتصادية، سواء عبر رسوم تأمين على الشحنات أو من خلال تعزيز وجودها العسكري المدفوع في المنطقة.

ويحذر من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى معاناة الاقتصاد العالمي من نقص في إمدادات الطاقة أو ارتفاع تكلفتها، خاصة مع احتمالات فرض قيود أو رسوم إضافية على مرور السفن، بما ينعكس في النهاية على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين.

كما يلفت إلى أن الولايات المتحدة تتحرك بالتوازي لترسيخ نفوذها الجيوسياسي عبر التحكم في سلاسل الإمداد ومصادر الطاقة، بما يعزز موقعها كقوة مهيمنة ويؤثر على توازنات القوى مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، مؤكدًا أن هذا المشهد يعكس توجهاً لاستخدام أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية لفرض النفوذ، وهو ما يبقي أسواق الطاقة في حالة توتر مستمر ويدعم الاتجاهات الصعودية للأسعار على المدى القريب.

اقرأ أيضًا: كيف أصبحت التصريحات السياسية تحرك الأسواق أكثر من العرض والطلب؟

عجز الإمدادات وتقلبات السياسة يدفعان أسعار النفط لمواصلة الارتفاع

من جانبه، يرى الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن اتجاهات أسعار النفط تميل إلى الارتفاع خلال المرحلة المقبلة، في ظل التذبذب السياسي وتضارب التصريحات بشأن تطورات الحرب في الشرق الأوسط، مؤكدًا أن الأسعار يحكمها بالأساس ما يعرف بـ“أساسيات السوق".

ويوضح أنيس لـ"مصراوي" أن السوق النفطية شهدت تحولًا حادًا؛ إذ كانت تعاني قبل التصعيد فائضًا في المعروض بنحو 2 مليون برميل يوميًا، بينما تحولت حاليًا إلى عجز يقدر بنحو 10 ملايين برميل يوميًا، ما يدعم ارتفاع الأسعار في المدى القريب لحين اتضاح مسار الإمدادات بعد انتهاء التوترات.

ويحذر أنيس من أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يقود لاحقًا إلى "تدمير الطلب"، حيث تتجه الدول والمستهلكون إلى بدائل للطاقة نتيجة ارتفاع التكلفة أو نقص الإمدادات، مشيرًا إلى أن هذه التأثيرات ستتضح بصورة أكبر على المدى المتوسط.

ويضيف أن وصول خام برنت إلى مستوى 120 دولارًا للبرميل أو استقراره أعلى هذا المستوى قد يدفع بأسعار الخامات الأخرى مثل غرب تكساس ودبي وعمان والأورال الروسي إلى مستويات تقترب من 150 دولارًا أو أكثر، وهو ما يعزز احتمالات تراجع الطلب واتجاه الدول لتكثيف الاعتماد على الفحم أو الطاقة المتجددة، وربما إعادة النظر في خطط الاستثمار في الطاقة النووية.

ويشير إلى أن تداعيات ارتفاع الأسعار بدأت بالفعل في الظهور على بعض القطاعات، مستشهدًا بإعلان شركة "سبيريت" الأمريكية للطيران منخفض التكلفة إفلاسها نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود، إلى جانب تسريح آلاف العاملين.

ويؤكد أن التأثيرات تختلف باختلاف القطاعات؛ إذ تستفيد شركات النفط والغاز وكذلك شركات الطاقة المتجددة، في حين يتعرض قطاع الطيران والسفر لضغوط كبيرة، خاصة الشركات منخفضة التكلفة التي تكون أكثر عرضة للأزمات وغالبًا ما تحتاج إلى دعم حكومي لتجاوزها.

وفيما يتعلق بقرارات تحالف "أوبك بلس" بزيادة الإنتاج، يوضح أنيس أن تأثيرها اللحظي محدود، نظرًا لأن الزيادة المقدرة بنحو 200 ألف برميل يوميًا لا تقارن بحجم العجز الحالي في المعروض، مشددًا على أن العامل الحاسم لتهدئة الأسواق يتمثل في استعادة الملاحة بشكل طبيعي في مضيق هرمز، حيث لن تكون لزيادات الإنتاج فاعلية حقيقية دون عودة تدفقات النفط عبر الممرات الحيوية بشكل منتظم.

اقرأ أيضًا: 3 سيناريوهات للحرب الإيرانية.. ماذا ينتظر النفط والذهب والدولار؟


وتتسق هذه الرؤى مع تقديرات البنك الدولي، التي تعكس سيناريوهين متوازيين لأسواق الطاقة بين التعافي المشروط والتصعيد المحتمل.

إذ توقع البنك ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 24% خلال عام 2026، لتسجل أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مع افتراض عودة تدريجية لحركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وبحسب تقرير "توقعات أسواق السلع الأساسية"، يرجح أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 86 دولارًا للبرميل في 2026، مقارنة بـ69 دولارًا في 2025، بينما قد يرتفع إلى 115 دولارًا في حال استمرار الهجمات على البنية التحتية وتأخر تعافي الصادرات عبر المضيق، الذي ينقل نحو 35% من تجارة النفط البحرية.

كما يحذر البنك الدولي من تداعيات أوسع، إذ قد يواجه نحو 45 مليون شخص إضافي انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي إذا استمرت الحرب لفترة أطول، نتيجة الضغوط على دخول المزارعين وتراجع الإنتاج الزراعي.

وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية، يشير التقرير إلى أن الحرب تفرض ضغوطًا تضخمية متراكمة تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة وتمتد إلى مختلف القطاعات، مع توقع ارتفاع معدل التضخم في الاقتصادات النامية إلى 5.1% خلال 2026، مقابل 4.7% في العام السابق، بالتزامن مع تباطؤ النمو الاقتصادي إلى نحو 3.6% مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 4%.


اقرأ أيضًا: بعد أوبك وأوبك+.. الإمارات تنسحب من منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول "أوابك"

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان