• العراق: البلد الذي يتعرض فيه الرجال للتحرش الجنسي أكثر من النساء

    02:28 م الخميس 11 يوليه 2019
    العراق: البلد الذي يتعرض فيه الرجال للتحرش الجنسي أكثر من النساء

    محافظة بابل

    بي بي سي:

    يشير استطلاع "بي بي سي" والبارومتر العربي الذي أجري في عشر دول عربية والأراضي الفلسطينية إلى أن عدد الرجال الذين يقولون إنهم تعرضوا للتحرش الجنسي في الأماكن العامة في العراق يفوق عدد النساء - إذ بلغت النسبة 20% لدى الرجال و17% لدى النساء.

    ويشير الاستطلاع أيضا إلى أن نسبة الرجال العراقيين الذين يقولون إنهم تعرضوا للعنف الأسري تزيد قليلاً على نسبة النساء.

    وفي كل الدول التي شملها الاستطلاع - باستثناء العراق وتونس - تفوق نسبة النساء نسبة الرجال في هذا الشأن.

    وعلى عكس العراق، الفرق بين النسبتين لا يتعدى 1% في تونس.

    ومن المسلم به أن العنف الأسري والجنسي مشكلة معهودة تطال النساء بالدرجة الأولى سواء في المجتمعات العربية المحافظة أو الغربية الحديثة. ولذلك فإن تلك الأرقام تبعث على الاستغراب للوهلة الأولى وخاصة في مجتمع ذكوري تقليدي مثل العراق.

    مقهى في بغداد

    في المجتمعات التقليدية تقبل النساء العنف الممارس عليهن سواء في الأسرة أو في المجتمع باعتباره آلية من آليات الحفاظ على المجتمع الأبوي. ولذلك تعمدن إلى عدم الجهر بأي عنف قد يتعرضن له.

    تتبنى الناشطة النسوية العراقية هناء إدوارد هذا التفسير.

    فمن خلال عملها في جمعية أمل النسوية ترصد تردد النساء العراقيات في الإبلاغ عن حالات التحرش والعنف الأسري بسبب الخوف من تعريض أنفسهن وأسرهن للفضائح ووصمة العار.

    وذلك رغم استحداث إدارة في وزارة الداخلية - هى مديرية حماية الأسرة - ومن مهامها تلقي بلاغات العنف ضد المرأة.

    وتستشهد إدوارد بمثال شابة صارت بلا مأوى بعد أن اضطرت للهرب من منزل أسرتها خوفاً من الانتقام؛ لأنها أبلغت عن وقوعها ضحية للعنف الأسري.

    للكاتب العراقي، زهير الجزائري، وجهة نظر مختلفة بشأن نتائج الاستطلاع.

    يقول الجزائري: "بسبب الوضع الأمني غير المستقر النساء صرن يخشين الشارع... حضور المرأة في الفضاء الخارجي قليل بسبب الأمن.. وهذا قد يجعل الرجال أكثر عرضة من النساء للتحرش والعنف في الأماكن العامة".

    شاب يتعرض للتحرش والاغتصاب

    لم يضع قانون العقوبات العراقي تعريفا محددا للتحرش لكنه يدرج أفعالاً يعرفها بأنها مخلة بالحياء سواء ضد الرجال أو النساء ضمن الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة ويعاقبها بالحبس لمدة تصل إلى ستة أشهر وغرامة تصل إلى 100 دينار عراقي.

    ورغم ذلك حتى الرجال يترددون في الإبلاغ عن تعرضهم للعنف الجسدي خشيةً أن يتهموا بأنهم شركاء في الجريمة من قبل السلطات المختصة -على حد قول شاب من بغداد حاصل على شهادة جامعية وناشط سياسي كان ضحية للتحرش والاغتصاب.

    يروي الشاب العشريني لـ"بي بي سي" وقائع التحرش التي تعرض لها وتفصل بينها ثلاثة أعوام. أولها حدثت حينما كان تلميذًا في الثالثة عشر من عمره.

    "دخلت إلى دورة مياة المدرسة فإذا بثلاثة فتيان في الـ15 و17 ربيعاُ يضعونني في زاوية ويتحسسون جسدي.....كنت طفلا فلم أكن أعرف ما هو الجنس".

    ويستطرد "صرخت إلى أن سمعني زملائي وجاءوا بمدير المدرسة".

    ويروي الشاب أنه تم فصل الفتيان دون إخطار أولياء أمورهم أو ذكر سبب فصلهم، أما هو فالكل كان ينظر إليه كشريك في الحادث لا كضحية.

    "أخبرني مدير المدرسة بأنه سيمنحني فرصة أخرى رغم كوني الضحية".

    يقول إن الحادث ترك أثراً مؤلماً في حياته وما كاد يتغلب عليه حتى تعرض للحادث الثاني بعدها بعامين حينما كان يعمل في متجر في بغداد.

    "غمرني صاحب المتجر بالعناية والاهتمام.. وفي يوم من الأيام حاول الاعتداء عليّ جنسياً أثناء العمل، ثم خاف وتراجع عندما رأني أهم بقذفه بإناء زجاجي".

    يروي الشاب أنه بعد مرور عام -قضاه بدون عمل- حدثت الواقعة الثالثة في متجر بجوار مسكنه يملكه رجل خمسيني.

    "في يوم من الأيام، شرع الرجل في ملاطفتي وتقبيلي لكنه توقف عندما طلبت منه ذلك".

    لم تكد تمر أربعة شهور على الحادثة حتى وقع الشاب ضحية للاغتصاب على يد أحد أقاربه كان يكبره بثمانية أعوام.

    ويروي: "حضر قريبي إلى المنزل أثناء غياب والدي.. جلس إلى جواري وبدأ يريني أفلاما إباحية على هاتفه المحمول... ثم مسكني من يدي وضربني في رأسي ثم اغتصبني".

    ويقول الشاب متذكراً حادث الاغتصاب إنه ارتأى أن الابتعاد عن المكان ربما يخفف من وطأة الصدمة. فأقنع أسرته بالانتقال إلى منزل في حي آخر دون أن يخبرهم بما ألم به.

    "قطعت علاقتي بأقاربي وبأصدقاء الحي وبدأت حياة جديدة".

    لكن كما يقول تغيير المكان لم ينسه الحادث فظل لعدة أعوام غير قادر على إقامة روابط عاطفية وتأثرت علاقاته بأسرته.

    يدان

    لماذا يتردد الرجال في الإبلاغ؟

    يقول الشاب: "المشلكة ليست في القانون بل في القائمين عليه".

    ويستطرد أنه "إذا تقدم رجل بالإبلاغ عن تعرضه للاغتصاب فالأرجح أن الشرطي سيسخر منه ويوبخه".

    ليس هناك ثقافة تؤمن بضرورة إنزال العقاب بمرتكبي العنف الجسدي ضد الرجال- على حد قوله.

    ويستطرد أنه غالباً ما تنظر الشرطة إلى ضحايا الاغتصاب من الرجال على أنهم شركاء في الجريمة وتدرجها كفعل من أفعال المثلية الجنسية.

    وتقول الشرطة العراقية في بيان أرسلته لـ"بي لبي سي": "إن أبواب مراكزها مفتوحة لجميع المواطنين" وإن استراتيجيتها لمكافحة التحرش تتسق مع مبادئ حقوق الإنسان. وتقول إنه إلى جانب استحداث قسم خاص لحماية الأسرة داخل البيت فإنه تم إلقاء القبض على متحرشين بعد الإبلاغ عنهم.

    المجتمع العراقي "أكثر رجولية وعنفاً"

    يقول الكاتب زهير الجزائري إن المجتمع العراقي صار "أكثر رجولية وأكثر عنفاً بسبب الحروب المتتالية". ويضيف أن الشارع صار ساحة للعراك بين الشباب و"العنف صار جزءاً من حياتنا".

    وفي مجتمع ذكوري عنيف يكون الفقراء أكثر عرضة من غيرهم للعنف الجسدي.

    الصحفية العراقية ميادة داود -عضو شبكة الصحافة الاستقصائية العراقية (نيريج) تقول إن كثيراً من الفتيان والأطفال الفقراء يتعرضون للاستغلال الجنسي من قبل أصحاب العمل أو الرجال الذين يسيطرون على الشوارع ضمن عصابات منظمة.

    داود حائزة على جائزة يونيسيف لأفضل تحقيق استقصائي عن المشردين واستغلالهم من قبل الجماعات المسلحة والجريمة المنطمة في العراق.

    العنف ضد الرجال في كردستان "في تزايد مستمر"

    في إقليم كردستان الذي قطع شوطاً معقولاً في إرساء مبادئ الحداثة ومن بينها المساواة بين الجنسين، توجد بعض المؤشرات التي توحي بأن حالات العنف النسوي ضد الرجال - رغم إنها لا تشكل ظاهرة - يتم الإجهار بها.

    أصبح العنف ضد الرجال قضية تطرح للنقاش المجتمعي وتخصص لها منظمات غير حكومية تعني بالشأن الرجولي - مثل اتحاد رجال كردستان ومجموعة مناهضة العنف ضد الرجال - ندوات عامة وتصدر بشأنها أرقام بشكل دوري. وتنظم المنظمتان ورش عمل وحملات للتوعية والتعريف بالمشكلة.

    وتشير أرقام أصدرها اتحاد رجال كردستان إلى أن عام 2018 شهد تسجيل خمس حالات قتل لأزواج على يد زوجاتهم وتسع حالات اعتداء من قبل نساء على رجال.

    ويقول الاتحاد في بيانه الذي أصدره في نهاية العام الماضي إن حالات العنف ضد الرجال في تزايد مستمر عاما بعد آخر، مشيراً إلى تسجيل 585 شكوى من قبل رجال ضد نساء العام الماضي وتسجيل نحو 600 دعوى للرجال ضد زوجاتهم خلال عام 2017.

    وحسب الإحصائية فإنه خلال الأعوام بين 2014 و2018، تم تسجيل 2690 حالة عنف ضد الرجال، وأقدم 393 رجلا على الانتحار، و29 حالة قتل لرجال على أيدي نساء.

    يعزو الاتحاد "تزايد" العنف الأسري ضد الرجال إلى الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الإقليم ومن بين أسبابها تأخر دفع الرواتب الحكومية والخلاف بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد. وقد أدت الأزمة الاقتصادية إلى وقوع مشكلات أسرية.

    لم يتسن لـ"بي بي سي" التأكد من صحة هذه الأرقام التي ترفضها الجمعيات النسوية العراقية. وتقول هناء إدوارد إنه من "الهزل الحديث عن عنف ضد الرجال في وقت يزداد فيه العنف ضد المرأة.

    العنف ضد الرجال "استثناء" على حد قولها.

    ويفسر الصحفي الكردي، سامان نوح، "العنف النسوي" بأن جزءًا منه يحدث بسبب اتهام الرجال بعدم القيام بواجباتهم كأزواج حينما يفقدون القدرة على الإنفاق. في هذه الحالة يفقد الزوج سلطته ويصبح عرضة للتعنيف من قبل الزوجة. ويحدث ذلك أيضا عندما تكون الزوجة هي المعيل الرئيسي للأسرة أو تكون أكثر ثراء.

    هذا المحتوى من

    إعلان

    إعلان

    إعلان