• جامع الأندلسيين.. تحفة خالدة عبر الزمان بمدينة فاس المغربية

    07:21 م الإثنين 04 مارس 2019

    كتبت – سارة عبد الخالق:

    لا تخلو منطقة أو مدينة نزلها المسلمون في السابق إلا ووجد فيها العديد من الآثار والتحف المعمارية القيمة التي تعكس فن الحضارة الإسلامية وروعته، ومن ضمن هذه المدن مدينة فاس المغربية التي انتشر بها العديد من المساجد، هذه المدينة العريقة التي تأسست في نهاية القرن الثامن الميلادي، ولعل من ضمن المساجد الأثرية الباقية في المدينة هو "جامع الأندلسيين".

    يعتبر "جامع الأندلسيين" من أجمل الآثار الباقية ومن التحف الخالدة عبر الأزمنة، وقد سمى بهذا الاسم لأن جماعة من أهل الأندلس كانوا يعيشون حوله وساهموا في الإنفاق على بنائه، وقد صمم هذا المسجد على نفس الطراز الذي صمم به "مسجد القرويين" أحد أشهر المساجد في المغرب، وهو نفس النظام الذي كان شائعا في المساجد الفاسية في مثل هذه العصور.

    يعود بناء "جامع الأندلسيين" إلى الدولة الإدريسية، وكانت "مريم الفهرية" هي التي شيدته في عام (246 هـ - 860 م)، وكان ذلك بعد مرور عام على تاريخ الشروع في أعمال بناء "جامع القرويين" على يد أختها "فاطمة الفهرية الملقبة بأم البنين"، وفقا لما ذكرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية.

    وقالت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على موقعها الإلكتروني أن: "المسجد يتصف ببيت صلاة أكثر عرضا من العمق، ويتكون من سبع بلاطات موازية لجدار القبلة، ويتخذ الصحن شكلًا مربعًا منحرفًا، ويتموضع قبالة بيت الصلاة ويتوسطه حوض للوضوء، أما الصومعة فتشبه إلى حد كبير صومعة جامع القرويين".

    ويتميز المسجد بسقف المصلى، الذي يعد أثرًا فنيًا خالدًا بجمال نقوشه وفسيفساء نوافذه الزجاجية التي تجتمع في رسومها ألوانًا شتىًا رائعة الجمال، كما يتميز بالنجفة النحاسية المدلاة من السقف وجمال تخريمها الذي لا يمكن تقليده في هذا العصر، لأنه يحتاج إلى زمن طويل، وفقا لما جاء في (المدن والآثار الإسلامية في العالم) لأحمد الخالدي.

    وقد أعيد بناء المسجد في عهد محمد الناصر وشيده تشيدا عظيما، ففي "عام 600 هـ، أدخل الخليفة محمد الناصر زيادة على جامع الأندلسيين، وفي هذه الزيادة استبدلت أعمدة الجامع الحجرية بدعائم من الأجور، كما أنه أعاد بناء الجامع بأكمله، ولم يترك من الجامع القديم سوى المئذنة والمنبر"، وفقا لما جاء في حلقة سابقة من (برنامج معالم عربية: جامع الأندلسيين) الذي أذيع على الإذاعة المصرية - الهيئة الوطنية للإعلام.

    و"لقد تعرضت أسقف الجامع ودعائمه لأضرار كثيرة منذ نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، لكن أرضية الجامع المتماسكة يرجع لها الفضل في الحفاظ على المسجد من الاهتزازات وكثرة الإصلاحات التي أجريت به".

    يذكر أن الجامع كان يضم قطعًا فنية ونفائس صممت خصيصا من أجل هذا المسجد، هذه القطع النفيسة تذكر بعظمة الحضارة الإسلامية حيث يضم متحف البطحاء للفنون والتقاليد بمدينة فاس عدد من هذه القطع النفسية التي تأسر العيون، هذا ما دفع عددا من المنظمات الدولية إلى تنظيم معارض كبرى - من قبل - تحمل إليها هذه التحف النادرة، كمعارض معهد العالم العربي بباريس، ومعرض ساوباولو بالبرازيل، ومعرض فنون العالم في هولندا، وفقا لما ذكرته مجلة الفيصل في عدديها (رقم 411-412).

    ومن ضمن هذه التحف والقطع النادرة التي تنتمي بالأساس لجامع الأندلسيين، وكانت قد شاركت في العديد من المعارض العالمية، (الأسطرلاب المسطح) وهو معد من قطع متراكبة ومنقوشة ومنحوتة لقياس الكواكب، وضبط مواقيت الصلاة، وهو كان أنجز خصيصا لمسجد الأندلسيين بالعدوة اليمنى لمدينة فاس، ويضم هذا الأسطرلاب نفيشة تحمل تاريخ صنعه في عام 614 هـ - 1217 م، بالإضافة إلى اسم صانعه (محمد بن الفتوح الخميري).

    كذلك من القطع النادرة أيضا التي تنتمي للجامع، وشاركت أيضا في العديد من المعارض العالمية الأجزاء التي ما زالت في حالة جيدة من (منبر مسجد الأندلسيين) وهو يعد ثاني أقدم منبر في المغرب العربي الكبير بعد منبر مسجد عقبة في القيراون، وهذا المنبر كان قد استعمل كمنبر لجامع الأندلسيين منذ عام (979 م إلى 1934 م) وبعدها نقل إلى المتحف ومازال محفوظا هناك، هذا المنبر مصنوع من خشب الأرز المنحوت والمخروط والمنقوش، وبه آثار لصباغة متعددة الألوان، وفقا لما ذكر في مجلة الفيصل (المصدر السابق ذكره).

    جدير بالذكر أن مدينة فاس تعتبر ضمن أهم مواقع التراث العالمي في العالم العربي المسجلة ضمن قائمة موقع اليونسكو للتراث العالمي، وقد أشار اليونسكو على موقعه الإلكتروني إلى أن "مدينة فاس قد تأسست في القرن التاسع وهي موطن أقدم جامعة في العالم، وأنها بلغت ذروتها في القرنين 13 و14 تحت حكم المرينيين، وأنها احتفظت بمكانتها كمركز ثقافي وروحي للبلاد على الرغم من أن العاصمة السياسية للمغرب تم نقلها للرباط في عام 1912م".

    إعلان

    إعلان

    إعلان