• المجددون في الإسلام.. الحسن البصري الفقيه الزاهد الذي عايش الصحابة

    02:03 م الأربعاء 08 مايو 2019
    المجددون في الإسلام.. الحسن البصري الفقيه الزاهد الذي عايش الصحابة

    الحسن البصري

    كتب – هاني ضوه :

    كان واحدًا من الفقهاء الزهاد الذي بلغ ذكرهم وحكمتهم الآفاق، حتى عدوه من المجددين في تاريخ الإسلام .. إنه الإمام الحسن البصري رحمه الله الذي تشرب العلم والحكمة من الصحابة الكرام الذين أدركهم وعايشهم فنال قسطًا من نور النبوة.

    الولادة والنشأة

    ولد الإمام الحسن البصري في المدينة المنورة سنة 21 هجريًا وكان ذلك قبل نهاية خلافة عمر بن الخطاب بسنتين فقط، فقد كان أبوه أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري وأعتق وتزوج أمه "خيرة" التي كانت مولاة لأم المؤمنين السيدة سلمة رضي الله عنها وأرضاها وهي من أكمل نساء العرب عقلًا، وأوفرهن فضلًا، وأشدهن حزمًا، وكانت من أوسع زوجات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمًا، وأكثرهن رواية عنه، إذْ روت عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثمائة وسبعة و ثمانين حديثًا.

    وتربى الحسن البصري رضيعًا في بيت النبوة في حجر السيدة أم سلمة التي كانت أمه تخدمها وتعتبرها مثل ابنتها، وكثيرًا ما كانت أمه خيرة تخرج من بيت أم المؤمنين لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين، أو تنشغل عن رضيعها فيبكي من جوعه، ويشتدُّ بكاؤه، فتأخذه أمُّ سلمة إلى حجرها، وتلقمه ثديها لتصبِّره، وتعلِّله عن غياب أمه .

    قد ذكر الإمام المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أن أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها أرضعت الحسن البصري ودر عليه ثديها فشرب منه، ومن المعلوم أن الحسن ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأن أم سلمة لم تلد بعد زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم".

    ومن هنا استمد الإمام الحسن البصري الحكمة والعلم ببركة أم المؤمنين السيدة أم سلمة ودعاء الصالحين له، فقد كانت أمه تخرجه وهو صغير إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من يدعو له عمر بن الخطاب، قال: "اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس" كما ذكر الإمام ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية".

    ونشأ الحسن البصري بوادي القرى، وحضر الجمعة مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار وله يومئذ أربع عشرة سنة.

    تتلمذه على يد الصحابة

    ومن الأمور التي أثرت علمه وورعه وتقواه معايشته لعدد من الصحابة الكرام فقد تتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، روى عن عثمانَ بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وغيرهم.

    من المدينة إلى البصرة

    في سنة 37 هـ انتقل الحسن البصري من المدينة المنورة إلى البصرة، فكانت بها مرحلة المزيد من التلقي والتعلم، حيث استمع إلى الصحابة الذين استقروا بها، وفي سنة 43هـ عمل كاتبا في غزوة لأمير خراسان الربيع بن زياد الحارثي لمدة عشر سنوات، وبعد رجوعه من الغزو استقر في البصرة حيث أصبح أشهر علماء عصره ومفتيها حتى وفاته.

    وبلغ الإمام الحسن البصري من العلم الكثير حتى عدوه أعلم أهل عصره، وعن ذلك يقول قتادة: "ما جمعت علمه إلى أحد العلماء إلا وجدت له فضلا عليه، غير أنه إذا أشكل عليه كتب فيه إلى سعيد بن المسيب يسأله، وما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن".

    ولهذا عدَّهُ الإمام الذهبي وابن الأثير الجزري ومحمد شمس الحق العظيم آبادي أحد المجددين على رأس المائة الأولى بصفته أحد فقهاء البصرة.

    وكان للحسن البصري حلقة كبيرة من العلم في جامع البصرة، فكان يُعلم الناس من خلالها علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والبلاغة والفقه واللغة. وكانت له حلقة علم أُخرى في منزله، فكان يُعلم الناس من خلالها كل من الزهد والرقائق والأخلاق التي هي أساس علم التصوف الصحيح.

    تولَّى الحسن البصريُّ قضاء البصرةِ في زمنَ عمر بن عبدالعزيز؛ الذي وصفه بـ "سيد التابعين" حيث يقول: "لقد وليت قضاء البصرة سيد التابعين"، وكان لا يأخذ على منصب القضاء أجرًا.

    وقالت عنه أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها عندما سمعته يتكلم: "من هذا الذي يتكلم بكلام الصديقين".

    جهوده في الحديث والفقه والزهد

    وكان للحسن البصري جهود كبيرة في مختلف علوم الدين وهو ما جعله حقًا من المجددين، ففي فن الحديث روى البصري عددًا من الأحاديث الشرفة، فقد نشأ في عصر لم يكن الحديث يدون فيه بعد، لذلك فله مرويات كثيرة جدًا وبعض الأسانيد التي ذكر فيها الحسن البصري بعضها متصل وبعضها مرسل، فقد سمع من بعض الصحابة مثل أنس ابن مالك وسمرة رضي الله عنهما وغيرهم الكثير.

    وفي الفقه قد برع الإمام الحسن البصري، وكان له باع كبير فيه ونقلت آراؤه المتميزة في كثير من مصنفات الفقه لمختلف المذاهب، فلا تكاد ترى مصنفًا فقهيًا إلا وذكر رأيًا للحسن البصري، ولكن للأسف لم يصل إلينا فقهه مجمعًا ولكنه منشور في بطون كتب الفقه والحديث.

    ولكن ذكر الإمام الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" عن الحميدي أن القاضي محمد بن مفرج ألف كتاب "فقه الحسن البصري" في سبعة مجلدات، جمع فقهه فيها.

    وفي الزهد والأخلاق والعبادة كان الحسن البصري عالمًا صوامًا قوامًا يصوم الأشهر الحرم والاثنين والخميس، يقول ابن سعد عن علمه: "كان الحسن جامعًا عالمًا عاليًا رفيعًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كبير العلم فصيحًا جميلاً وسيمًا"، وكان أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: "سلوا الحسن فإنه حفظ ونسينا".

    وقال عنه أبو سعيد في كتابه "طبقات النساك": "كان عامة من ذكرنا من النساك يأتون الحسن ويسمعون كلامه ويذعنون له بالفقه في هذه المعاني خاصة، وكان عمرو بن عبيد وعبد الواحد بن زيد من الملازمين له، وكان له مجلس خاص في منزله لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطن، فإن سأله إنسان غيرها تبرم به وقال: إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر، فأما حلقته في المسجد فكان يمر فيها الحديث والفقه وعلم القرآن واللغة وسائر العلوم".

    وفاته

    وفي ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة (110هـ)، انتقل الإمام الحسن البصري إلى جوار ربه وقد بلغ من العمر 88 سنة، فلما أصبح الناسُ، وشاع الخبرُ فيهم, ارتجَّت البصرةُ بموته رجًّا، فغُسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه بعد الجمعة، في الجامع الذي قضى في رحابِه حياتَه عالما ومعلِّما وداعيا إلى الله، ثم تبِع الناسُ جميعا جنازته، فلم تُقَمْ صلاةُ العصر في ذلك اليوم بجامع البصرة، لأنه لم يبق فيها أحدٌ يقيم الصلاة، وقد قيل: ولا يعلم الناسُ أن الصلاة عُطِّلت في جامع البصرة منذ أن بُنِيَ إلى ذلك اليوم، يوم انتقال الحسن البصري إلى جوارِ ربِّه.

    إعلان

    إعلان

    إعلان