• حياة الدعاة الشخصية.. بين العام والخاص والمساس بالدعوة

    05:50 م الإثنين 26 أغسطس 2019

    كتبت- آمال سامي:

    "تزوج فنانة أو شخصية عامة.. طلق زوجته.. متزوج اثنين.. يسكن قصرًا.. لديه أسطول سيارات".. أخبار تغزو وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بشكل عام عن الدعاة والعلماء تثير الجدل، وتثير الريبة، ثم يخوض الناس في الحديث عنها، مع إصدار أحكامهم الخاصة عليها. فهل حياة الدعاة الخاصة لم تعد ملكًا لهم بمجرد اشتهارهم، وهل يؤثر ذلك على الدعوة؟

    "الدعاة مبقوش دعاة بقوا نجوم" يقول حسام سرحان، 32 عامًا، لمصراوي، إن التدخل في حياة الدعاة الخاصة ليس أمرًا خاطئًا، فمن التزم منهم بالدعوة فقط لم يتحدث أحد عن حياته الخاصة، مثل الشيخ عماد عفت والدكتور علي جمعة، فلم يعرف أحد عن الأول انه كان متزوج من اثنين إلا بوفاة إحداهما، والآخر لا أحد يعرف شيئًا عن حياته الشخصية، لأنهم لم يقدموا أنفسهم كنجوم. ويضيف حسام أن الاعلام لا يقوم بالتدخل وحده في حياة الآخرين الشخصية، لكنهم أيضًا من يخرجون أخبارهم الخاصة للإعلام فيخوض فيها، فليس من المنطقي أن يعلن هو خبرًا شخصيًا متعلقًا بحياته الخاصة، وعندما يعرف عنه خبرًا آخر يغضب لأنه لم يكن يرغب في نشره.

    مي محمود، 29 عامًا، لا تحب الحديث عن حياة أي إنسان الخاصة، لكن عندما يقول داعية مثلًا رفقًا بالقوارير، ويشاع عنه أنه ضرب زوجته مثلًا وقدمت ضده بلاغًا، فهذا ليس تدخلًا في الحياة الخاصة، بل هو من يأمر الناس بشيء ولا يعمل به، وهو ما يضر بمصداقية الدعاة والدعوة، لكن لا يقوم أحد بالتفتيش خلفه ومحاولة تقصي أخباره "ده بينه وبين ربنا".

    رأي الشرع: "لا علاقة لنا بحياة الدعاة الخاصة المهم دعوته للدين"

    يقول الدكتور محمد عطا الله، أستاذ الفقه المقارن بجامعة أسيوط، أنه لا علاقة لنا بحياة الداعية الشخصية والخاصة، فلا علاقة لنا بنشأته أو حياته الاجتماعية أو علاقاته، فما يعنينا منه هو "دعوته للدين". "فالإسلام صان حياة الأفراد الشخصية، ونهى عن التدخل فيها ونهى عن كشف الأعراض، فحياته الخاصة أوجب الله فيها الستر، سواء كان تعامله مع اهل بيته أو ما يفعله في حياته الخاصة، فلا يجوز لأحد أن يتتبع عوراته". وأضاف عطا الله أن الإسلام لا يدعو في نفس الوقت لتقديس الأشخاص، فهناك أخطاء عادية يقع فيها كل الناس فمن الطبيعي ان يتم التغاضي عنها لأن الداعية بشر، لكن ذلك يتوقف أيضًا على نوع الخطأ، فالأخطاء التي تقدح في الشخص وعدالته ومصداقيته لا يمكن التغاضي عنها.

    وهم القدوة والايقونة

    يعلق أحمد عبد الله أستاذ الطب النفسي قائلًا أن فكرة التدخل في الحياة الخاصة اصلها أنه يمكن ان تؤثر الحياة الخاصة على إجراء أو قرار يقوم باتخاذه المسئول، لكن بعيدًا عن فكرة التأثير في القرارات وحقوق الناس وما إلى ذلك، فليس لكون الشخصية عامة يعني ان حياتها الخاصة كلأ مستباح للناس حتى لو كان هذا المتبع في العالم كله. فالتدخل مقبول في تأثير الحياة الخاصة للحياة العامة لمسئول. لكن هل يعتبر الدعاة باعتبارهم شخصيات عامة يصح التعامل معهم باعتبارهم "نجوم مجتمع"؟

    يفرق عبد الله بين الداعية قديمًا والداعية الآن، فضرب مثلًا بالشيخ اسماعيل صادق العدوي اامام جامع الأزهر وكان يعطي دروسا في المضيفة بجوار الأزهر، فمريديه كانوا هم من يعرفونه فقط، لكن مؤخرًا أصبح الوضع للداعية مختلف، وأًصبح يجري عليه ما يجري على النجوم، فاصبح يظهر في الفضائيات ويجري عليه ما يجري على النجوم. يقول عبد الله أن الفترة الأخيرة حدثت نقلة كبيرة في التعامل مع الدعاة، فأصبح من يضع في بؤرة الضوء هو نجم، سواء هو شيخ أو طبيب أو أي فرد آخر. ولكن يؤكد عبد الله أن هذا لا يعطي الحق لأي حد أن يتدخل في حياته الخاصة "فشيوع الممارسة لا يجعلها من حق الأفراد".

    أما عن تأثير وضع الدعاة في خانة "النجومية" على الناس، يقول عبد الله أن الامر متعلق بفكرة "وهم القدوة والأيقونة"، فالقدوة مقدس لا يخطيء وإذا كان يخطيء فليس بقدوة، وقد تواطأ المجتمع على تلك الفكرة، ومعنى أن يقول الإنسان هذا صواب وهذا خطأ فمعناه أنه لا يخطيء، فهذا الفكرة اصلها مسيحي حول قداسة رجل الدين والأيقونات، ورغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نبه كثيرًا على عدم تقديسه هو شخصيًا إلا أن كثير من المسلمين انجرفوا وراء موجة التقديس وابتكروا قصصًا لا أصل لها عن الرسول وقدسوا اصحابه باعتبارهم لا يخطئون، وعلى الرغم من أن الله جعل الرسول "بشرًا" يخطيء ويصيب وتسري عليه أحكام البشر حتى يقتضي الناس به، إلا أنه عندما تشير لأحد أن الرسول كان يفعل كذا وكذا، يقول "دا الرسول بس انا مش نبي".

    يقول عبد الله أن "نجوم الفن" تخلصوا قليلًا من تلك العقدة، فاصبح من المقبول مجتمعيًا ان يخطئوا، بل يرى الآخرون فيهم الحياة التي يرغبون هم في أن يعيشوها، إلا ان ذلك لم يحدث مع الدعاة. فيخرج الناس ليقولوا أنه "داعية" لابد أن يكون سلوكه كذا وكذا، رغم أن هذا خطأ. ويرى عبد الله أن جزء من الموضوع أن هؤلاء الدعاة "غلابة" ويسهل ان يتعرض الآخرين لهم دون أن يدافع عنهم أحد، فهناك غيرهم حياتهم الشخصية تؤثر بالفعل في حياة الناس اليومية لكن لا يمكن لأحد أن يخوض في سيرتهم وما يفعلونه في حياتهم.

    أما الدكتور طه أبو حسين أستاذ علم الاجتماع فيرى أن التركيز في الحياة الخاصة للداعية هو محاولة لإدخاله في مصاف النجوم، ليصبح مثل نجوم الفن والكرة وغيرهم، فهو يريد أن يحوله لنجم ليزهو بنفسه ويترك الهدف الأساسي الذي لمع بسببه، وهو ما يفت في ناحية الإخلاص والتفاني في سبيل الدعوة، ويجعلها تفقد قيمتها والهدف الاساسي منها، ومن يفعلون ذلك لهم "أجندات خاصة وأهداف أخرى" يقول أبو حسين.

    يتدرج الشيخ في الزهو والنجومية حتى تتوجه له دعوات من أماكن مشبوهة أو تسيء إليه، فيأتي من رفعه إلى مرتبة عالية جدًا، ليشيع خبر حضوره في تلك الأماكن، يقول أبو حسين "يبدأ هنا منحنى الأنخفاض والإنكسار"، مؤكدًا أن تتبع الشيوخ على هذا النحو لا يخلو من الخديعة والمكر".

    إعلان

    إعلان

    إعلان