• "المدرهة والوليمة والمهاجل".. موروثات يمنية في توديع الحجيج إلى الأراضي المقدسة

    06:14 م الأربعاء 25 يوليو 2018

    إعداد - سارة عبد الخالق:

    الحج فريضة وعبادة غالية على النفوس، وهي أمنية كل مسلم، ويظل موسم الحج من كل عام بمثابة أيام فرح وسعادة على الحجاج وذويهم، وتجدد معه مشاعر الحنين والاشتياق للطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة وإتمام مناسكه كاملة.

    ومع بداية موسم الحج تتجدد معه موروثات وعادات في مراسم توديع الحجاج إلى الاراضي المقدسة، هذه الموروثات التي توارثتها الأجيال عبر السنين تظل سمة وطابعاً مميزاً لبلد دون آخر، وتبقى كل دولة محتفظة بثقافاتها وعاداتها الخاصة التي تعبر عنها وعن سعادتها وفرحتها، وفي بعض الأحيان أحزانها بتوديع الحجاج الذين منّ الله عليهم بزيارة بيت الله الحرام، وتصبح أيام الحج تجديداً لهذه الموروثات التي يحييها الأهالي والعائلات احتفالاً بحجاجهم.. وفي التقرير التالي يرصد مصراوي بعض العادات والموروثات الشعبية اليمنية:

    تعتبر اليمن واحدة من ضمن الدول التي لها موروثاتها الخاصة المشهورة بها والتي تتجدد كل عام مع موسم الحج، وتختص هذه المراسم وتميزها دون غيرها في توديع الحجاج، ولعل من الموروثات اليمنية الشهيرة التي تحظى باهتمام اليمنيين جميعا ما يلي:

    1- المدرهة أو الأرجوجة:

    تعتبر من النماذج التقليدية الشعبية المميزة في اليمن المرتبطة بالحجاج، وهي عبارة عن "أرجوحة كبيرة تصنع من الأشجار القوية كأشجار (الطلح) أو أشجار (الأثل)، ويتم توثيق أعمدتها بحبال قوية ومتينة تسمى حبال (السَلب) وهي شجيرات صبارية سيفية سميكة حادة الرؤوس، ويتحرى الأهل توثيق أعمدتها خشية انقطاعها، فانقطاعها يحمل اعتقاداً ينذر بالشؤم من أن الحاج في خطر"، - وفقا لتعريف الإمام والمؤرخ نشوان الحميري في موسوعته (شمس العلوم) نقلاً عن علي صالح الجمرة- باحث وإعلامي يمني-.

    وتعد المدرهة أحد المعالم الهامة الدالة على الحج، فعندما ينوي الحاج السفر، يتم تنصيب المدرهة في فناء منزله أو في فناء أحد الجيران أو الأهالي إذا لم يكن لديه فناء أو حوش كبير لنصبها أو تنصب في إحدى ساحات أو ميادين القرية التي يسكن فيها الحاج، وعادة تزين المدرهة بكسوة تعرف باسم "الجهاز" أو "بكسوة المدرهة " وهي ملابس الإحرام التي يتم استبدالها بعد ذلك بملابس الحاج الخاصة حيث ينشر على أعمدتها الملابس مع أدوات زينته العمامة وخنجره اليمني المشهور به أهل اليمن الذين يضعونه على خصرهم، وفقا لما ذكرته الباحثة في التراث الشعبي أروى عثمان- نقلاً عن صحيفة الرياض السعودية.

    وتظل هذه المدرهة منصوبة حين عودة الحاج إلى دياره، وتمر خلال هذه الفترة بعدة تقاليد منها: إلقاء الأدعية، وإقامة الموالد والأغاني الشعبية، وعقر الذبائح، وإطلاق الأعيرة النارية وغيرها، وعادة تكون أغاني المدرهة وأهازيجها حزينة خوفاً على الحاج من مشقة السفر، وتبدأ بذكر الله وبالصلاة والسلام على النبي، وتنتهي بالدعاء للحاج بالسلامة.

    ويرجع سبب ارتباط المدرهة بموسم الحج - وفقا لأروى عثمان - إلى أنه في السابق كان الحج محفوفا بالمخاطر، وكان الحاج يقضي فيه وقتا طويلا، فكان يكتب وصيته قبل السفر -، ويطلب من أهله وجيرانه المسامحة، أما عن حركة المدرهة - وفقا لهدى الشرفي، مدير عام مؤسسة حماية الآثار والتراث الثقافية اليمنية، فإن هذه الحركة "ذهابا وإيابا، ارتفاعا وانخفاضا، هي محاكاة لقلب وعقل من على المدرهة، من قلقه على الحاج، ولوعته وشوقه إليه، ويتضاعف القلق والشوق مع حركات المدرهة وكلمات الشوق).

    وعلى الرغم من أن المدرهة من التقاليد اليمنية المهددة بالادثار إلى أن صنعاء مازالت محافظة على هذا الإرث اليمني، وتحاول بعض المؤسسات اليمنية المهتمة بالتراث إحياء هذا التقليد والمحافظة عليه.

    ومن أهازيج "المدرهة":

    وايا حمامة عرفه

    وحومي وحومي

    لا... واطلعي رأس الجبل

    واحذرش تنومي

    لا... واعرفي لي حجنا

    وهو دقيق خضراني

    لا... واعرفي لي عصيته

    وهي شوحطي خضراني

    لا... واعرفي لي حلقته

    وهي عقيق يماني

    لا... واعرفي لي دسعته

    وهي دسعة الحمامي

    ويا مبشر بالحجيج

    بشارتك بشارة

    بشارتك بير العزب

    وتلحقه شرارة

    بشارتك سوق العنب

    وتلحق الجبانة

    بشارتك حلقة يدي

    والقرش لي في جيبي

    2- الوليمة وطلاء المنازل بالنورة البيضاء

    يقوم أهالي الحاج بعمل ما يعروف بـ "الوليمة" أو العزومة التي يذبحون فيها كبشاً، ويبدأ أحدهم في ترتيل المواويل والموشحات الدينية، كما يقرأون الفاتحة، ويودعون الحاج ويطلبون منه الدعاء في الأراضي المقدسة - وفقا لصحيفة الجمهورية (اليمنية) -، ويعطون الحاج الزبيب اليمني والبن والكعك والهدايا ليهديها لمن يريد في الحج، وفي يوم سفره يذهب الأهالي لتوديعه إلى خارج قريته داعين له أن يعود سالما.

    كما يقوم الأهالي بطلاء المنازل بما يعرف بـ "النورة البيضاء"، للدلالة على صفاء القلوب ونقائها، والنورة البيضاء عبارة عن مادة بناء كيميائية تستخدم في صنع أنواع من الطلاء، وهي مسحوق أبيض اللون، ولها طريقة معينة في الصنع وتمر بمراحل مختلفة.

    3- الأهازيج والمهاجل:

    وهي من الموروثات الشعبية المعروفة في العديد من دول الشرق الأوسط وبلاد الشام، وهي نوع من الأناشيد الشعبية الغنائية، والتي لا يصاحبها أي نوع من الآلات الموسيقية، وتعتمد في إلقائها على المد الطويل للكلمات، وتقال باللهجة المحلية الخاصة بهم، وعادة تنشد هذه الأهازيج من أجل إثارة الحماس أو تعبيرا عن الفرح، وتعتبر الأهازيج واحدة من الموروثات اليمنية القديمة التي يعبرون بها عن سعادتهم في توديع الحاج قبل سفره،

    ويلجأون إلى ما يعرف بـ "المهاجل" والتي تعتبر واحدة أيضا من الثقافات الشعبية المعروفة عندهم والتي ترتبط أيضا بمواسم معينة وأعمال معينة: مثل مواسم الزراعة والحج وأوقات الصباح، وهناك أخرى مرتبطة بأعمال البناء مثلا ومهاجل الأدعية والاستمطار وغيرها، وأما طريقة أدائها كالآتي حيث يبدأ بها شخص يعرف كلماتها وطريقة أداء النصوص الخاصة بها، ثم تردد مجموعة بعده، وتكون للمهاجل كلمات خاصة بكل موسم أو وقت على حده.

    وعادة كان الأهالي يودعون الحجاج في حزن وبكاء نظرا لأن طريق الحج كان طويلا ومحاطاً بالمخاطر، فقد يتعرض الحاج إلى عمليات سلب ونهب في طريقه أو قد يتوفى نظرا لمشقة الطريق وصعوبته وطول الوقت، أما الآن فأصبحت رحلات الحج أكثر أماناً وأسرع وأسهل عما كان، فأصبحوا يرددون الأهازيج والمهاجل المعبرة عن فرحهم وسعادتهم بالحاج، فمثلا يردد الأهالي في توديع الحاج:

    مسافرين يا ليتني معاكم لزادكم

    وإلا لشرب ماكم

    مسافرين الله يعين سفركم

    إعلان

    إعلان

    إعلان