• بالصور: من مقلب قمامة لحديقة عطّرة.. شوف أزهار "جمال" واتعلم

    04:31 م الأربعاء 21 سبتمبر 2016

    كتب وتصوير -إشراق أحمد ودعاء الفولي:

    منذ أعوام قليلة قرر جَمال النهري أن يُحاسب نفسه "أعمل جرد لحياتي وأشوف وصلت لإيه"، وجد أن 80% من أوقاته مرت بسلام.. بين شوارع نظيفة ومناظر مُبهجة وتعليم جيد "حسيت أني مدين للبلد ولازم أسيب حاجة حلوة من ريحة الحياة اللي عيشتها". ولم يجد أفضل من الزهور والخضرة، العشق المرافق له منذ نعومة أظافره، لتتهيأ الظروف قبل نحو ستة أعوام، وتُمسي حديقة "بهجة القلوب" بقعة مميزة في شارع عبد العزيز فهمي بمصر الجديدة، معروفة دون غيرها رغم أنها جزء من الحديقة العامة الممتدة، تقترن شهرتها براعيها، فيها يمكث صاحب الاثنين وثمانين عاما دون كلل، يبث بها من روحه، وفلسفته الخاصة، فتبادله المحبة، وتضفي عطرها على العابر والوافد، لا ابتغاء له سوى نشر سبيل لاقتداء الجمال، وزادا يزرعه عسى يحصده بالحياة الأخرى.

    ينظر أسفل قدمه إذ يتحرك في أرجاء مملكته الخاصة. جيب بنطاله الخلفي يحمل مقص أشبه "بالزرادية"، يُخرجه لنزع الأعشاب الضارة الصغيرة، أو قطف نبية زاهرة، فيما يُبقي المنجل للحشائش المنتشرة بالأرض، المُعيقة لظهور جمال النباتات التي ملأت حديقته. يتحامل "جمال" ليقف مستقيما، يرتدي قبعة فيبدو أشبه بالخواجة –كما يناديه الصغار- يمُر عليه العابرون مُلقين السلام؛ فيقول بنبرة مُرحبة ودودة "أهلا وسهلا".

    1

    لكل شيء عند "جمال" فلسفة. لم يكن المشروع سوى "محاولة لمقاومة القبح"، حينما خطّ بقدمه للمرة الأولى داخل الحديقة منذ سبع سنوات وجدها "مقلب زبالة"، فقرر أن يُحارب بطريقة التخلية قبل التحلية "إني أنضفها الأول وبعدين أبدأ أزرع فيها".

    بين الجَمال تربّى "النهري". كان يقطن بحي العباسية الشرقية، فيما يغلف النظام الملكي طابع البلاد، يتابع مذهولا بصفة يومية تنظيف الشوارع "كان فيه بغل بييجي ومربوط في ضهره فرشة كبيرة بيكنس الشارع، وبعدها يجيي بغل تاني بعربية رش". ظلت الطرق بدائية لكنها كافية لتجعل المنطقة لامعة، حتى أن ثمة عامل اعتاد على المرور مساءً بالشوارع لإضاءة مصابيح الكهرباء العاملة بالغاز "كان منتظم جدا في مواعيده مع إنه يعمل لوحده ومكنش بياخد رشوة أبدا".

    لم تكن النباتات رفاهية بالنسبة لـ"جمال"، فقد اهتم بسقياها بعد رحيل والده وفاءً له. "يعز عليا في طفولتي أعيش في وطن نظيف ولما أكبر نخلف لأحفادنا وطن قذر".. اعتادت والدته مطالبته كل صباح بأن ينتقي لها عدة زهور بنفسج من حديقة المنزل، فيما لا ينسى أعواد التمر حنة المُخبأة بخزانة جدته لتنثر رائحتها الزكية بين الملابس، لذا كان لهذا النبات مكانا في حديقته الحالية.

    2

    فيما بعد أصبح منزل الرجل الثمانيني وزوجته حديقة أخرى مُزدانة بالياسمين البلدي والألوان المُبهرة، حتى رآها أحد جيرانه "فقاللي أنت عندك نباتات كتير..إيه رأيك تطور الحديقة العامة؟". لم يُكذّب "جمال" خبرا؛ ذهب مع جاره لرئيس الحي "كان صاحبه فوافق على الفكرة بس قاللنا إنه ميقدرش يساعد بفلوس أو عُمال".

    كان قانون "النهري" حين بدأ حلمه أن "صناعة الجمال أسهل بكتير من صناعة القُبح"، فلم يألُ جهدا في تقديم الأجمل لـ"بهجة القلوب". زرع بها أجود أنواع الزهور بين العطرية، والبهيّة الشكل، حتى أنه لم ينس أشجار الفاكهة، غير عابئ باستهزاء أحد مهندسي الحي به "مجرد ما تزرعها العيال هتتجنن وتقطفها كلها"، وذاك ما حدث بالفعل، لكنه لم ييأس ويخلع جدرها درءا للمشاكل، فظل يُعالج تلك المشكلات بفلسفته الخاصة.

    "أول ما زرعت الريحان بقى يتشد.. فقررت إني أزرع ريحان في كل الجنينة ودلوقتي خلاص مبقاش يتاخد.. الناس لما بتلاقي الحاجة كتيرة بتسيبها". شاهد عاشق الزهور نفس الأزمة مع الورد البلدي، يقول ضاحكا: "الشعب المصري بيتجنن بالورد البلدي". لا يُحب "جمال" أن يُهزم على يد المنغصات، قطع عهدا على حديقته أن يُقاوم طالما يستطيع.

    3

    سعيد الحظ من يَطلب من "النهري" اصطحابه بأرجاء المكان، كطفلٍ سأله أحدهم أن يحكي عن ألعابه، يَشد الرجل الثمانيني ظهره، يُشير إلى وردة ثم الأخرى "دي شجرة هايبوسكاس.. الورد البمبى بتاعها تُحفة"، يَربّت بيديه على إحدى الزهور، قبل أن يُدير ظهره، حاكيا قصة نبات البردي الممتد بالحديقة "زرعته عشان نبات نادر".

    لا يضع "جمال" شتلة أو بذرة في الأرض البالغ مساحتها 1500 متر إلا ويعرف كيف ستُزهر. أراد أن تكون الحديقة جامعة بين "النباتات المنتظمة ومظهر الغابة". يضرب "النهري" بالنخيل مثالا للانتظام، فقد اكتشف أن الفرق بين النخلة وأخرى لا يجب أن يقل عن سبعة أمتار "لأن أقصى طول لجريد النخل هو 3 متر ونصف فعشان مفيش نخلة تحجب الشمس عن التانية".

    لم يدرس راعي الحديقة النباتات. كل معرفته عنها جاءت بالممارسة والقراءة أو كما يقول: "الحب علّمني". اعتاد العمل بمجال الصحافة والكتابة بأكثر من بلد عربي رغم دراسته للقانون، قبل أن يترك المهنة متفرغا لحبه الأوحد.

    4

    "يبدو أنك كبرت وخرفت يا عم جمال" كان رد فعل أصدقاء راعي "بهجة القلوب" حينما أخبرهم أنه يطور حديقة عامة. تعجب الرجل حينها، لكنه أدرك بعد التعمق بالمشروع صحة رؤيتهم، ليس لأن الأمر لا يناسب عمره لكن لأنه كما قيل له "أنت دمّل بالنسبة للحي".

    قبل عام ونصف تفاجأ صاحب الاثنين والثمانين ربيعا بنحو 20 عامل، يحملون في أيديهم المناجل. اندفعوا تحت تأثير الأوامر، ليأتوا على ما في "بهجة القلوب" من أشجار ونباتات "دغدغوها.. جابوا الشجر قرب الأرض" حسبما يروي "النهري"، بينما كان المبرر على لسان مهندس الحي "ايه اللي أنت عامله ده الحدائق الحكومية لها نظام أنت عامل غابة.. معاك إذن مكتوب؟".

    إيمان "جمال" بالمقاومة، دفعه للحصول على إذن مكتوب، ومع الرفض قال "اعتبروني عامل عندكم في الحديقة". لم يتعال الرجل رغم مكانته الاجتماعية. كل شاغله هو الأمل في حلم بدأه ويعز عليه إنهائه، غير أنه حينما ضاقت السبل، لجأ إلى أصحاب الوساطة حتى تكف الأيدي عن الحديقة "للأسف كل حاجة في مصر بتخلص بالتليفون".

    5

    كانت القمامة أبرز أعداء "النهري". يضطر الرجل المسن يوميا أن يحني ظهره بينما يجمعها "جزم، ازاز مكسر، كرسي مكسور، أي حاجة تخطر على البال لغاية الزبالة اللي مش نظيفة". رغم المشقة، لم يكن يعبأ بعتاب أولاده له بأن عليه الاكتفاء بالزراعة فقط، فطالما راهن على الوقت، وبعد ثلاثة أعوام اختفى 80% من القمامة التي كان يلتقطها وتملئ كيس بلاستيكي يوميا.

    سرقة خرطوم الحديقة، مما اضطره لحمل 75 متر يوميا ذهابا وإيابا بسيارته لري الحديقة، كذلك اقتطاع النباتات بغرض بيعها أو امتلاكها، أو "شقاوة" الصغار مثلما فعلوا بشجرة الليمون الحلو "قطعوا حوالي 50 ثمرة واترمت مفضلش غير اللي ايدهم ماطلتوش".. كلها أمور يتعامل معها بالدفع بالحسنى، فينادي صغيرا استشعر به نشوة إغراء النباتات له، ويطالبه بجلب ثمرة ليمون ويتناولها، فيتجرع الصبي مرارة الطعم، ليعلمه بالتجربة أن ما في الحديقة له ولغيره لكن عليه التمهل حتى تنضج ويقتطفها.

    شيء واحد ينفذ صبر عاشق النباتات أمامه؛ التخريب الذي يلقاه دون سبب منطقي. يتذكر شجرة الياسمين الهندي، التي كان عمرها 6 أعوام، حين جاء ذات يوم بعدما جزّ من حولها الحشائش فبدا رونقها، ليجدها مقتلعة من جذورها مهشمة وملقاة أرضا، وكذلك نبات "الكركديه" الذي قُطع دون سبب، حينها قال الرجل "لولا أن باعدتم بيني وبينه لشربّت الشارع كله كركديه ببلاش". مثل تلك الأفعال وحدها "بتخلي الواحد يتشيطن" حسب وصفه. ورغم هذا يوقن "جمال" أنها استثنائية، ولولا ذلك ما قامت بالحديقة شجرة واحدة حتى الآن.

    6

    على مهل يسير كدالف إلى الجنة ثم يقف بمنطقة لا ظل فيها، مُشيرا إلى بضع أعواد خشبية امتدت من جانبي الطريق الأوسط بالحديقة "عايز أعمل برجولا هنا، هتبقى مزيج من الهايبوسكاس وضفّرت عليها ياسمين بلدي عشان تعمل ضل وريحة حلوة"، يستنشق الهواء الناعم المار بين أصابعه المتشققة جراء العمل بالمكان، ضاربا ببصره باتجاه النباتات المحيطة، والمنطقة البور خارج نطاق بقعته الخضراء قائلا بصوت خفيض "عندي اشتياق إني أشوف ست وولادها ماشيين هنا مبسوطين من المكان وبيلعبوا".

    تنبعث فلسفة التبسيط من حديث الرجل الثمانيني "الناس مفكرين إني عندي كنز عشان أقدر أعمل كل دة". يحتاج المرء لذكاء أكثر منه للمال، إذ يشتري صاحب "بهجة القلوب" النبات مرة واحدة من المشتل، ثم يأخذ "عقلة" ليزرعها وهكذا حتى وصل عدد النباتات الموجودة إلى 100 نوع بعضها نادر.

    مع تعمق علاقة "جمال" بالحديقة، لم تعد بالنسبة له مجرد مكان يرى ويفعل به ما يهواه، بل "هنا تضطر لمناقشة فلسفة الحياة المصرية.. المفهوم المغلوط للعام والخاص" حسبما يقول متذكرا مشهدين، يربطهما حب الخضرة لكن يفرقهما التعامل. الأول حين أبصر رجلا منمق الهيئة، ببذلة سماوية قطيفة يلتقط القمامة من بين الزروع، يبتسم "النهري" لاستعادة المشهد، وحين يتذكر أنه فرنسي يأتي لأسبوعين في العام لزيارة شقيقته، ثم إجابته بإنجليزية متكسرة أن سبب فعله "لأني أحب الحدائق".

    7

    وأما المشهد الثاني، فكان لأحد جيران "جمال"، شهده يخلخل إحدى شجيرات الياسمين لاقتلاعها، بينما مبرره "أًصل أنا بحبها جدا"، فدفعه للكف عن هذا، وإن شاء اقتطف شيئا منها، وناقشه برؤيته في أن الحديقة حق عام "حتى أنا حرام عليا لو زرعت حاجة ارجعها البيت لأنها شربت ماية الحكومة واتزرعت في الجنينة العامة بتاعة الناس فمبقتش بتاعتي"، لكن مع الرد بـ"أنت محبكها أوي"، ارتأى "جمال" أن يترك الوافد لنفسه، فما كان من الجار إلا أن أصر على اقتلاع الياسمين وأخذه. وما بين الموقفين لا يحبذ "جمال" إيعاز الأمر للمقارنة بين الأجنبي والمصري، بل إلى التربية، مكررا باستماتة "لو الإعلام والمدرسة والبيت أصروا على تحريض الناس على النظافة والجمال هنتغير".

    يوميا يستيقظ "جمال" عقب الخامسة فجرا بقليل، يحتاج بعض الوقت لتناول أدويته، ثم يذهب للحديقة قُرب التاسعة والنصف، ليمكث حتى الرابعة عصرا "ربنا لما إدانا الكون مكنش فيه زبالة.. فعيب لما احنا اللي نبهدله"، تغزو تلك الجُملة ذهنه، مع رؤية أي تصرف خاطئ، لكن الأثر السيئ ينقشع حين يأتيه متطوعون سمعوا عن المشروع "دول اللي بيخلوني أكمل" يقولها فيما يُشير لشاب وفتاة ساعداه في جزّ العشب الضار "عملوا شغل انهاردة كنت هحتاج خمس أيام عشان اخلصه لوحدي" حسبما يروي.

    8

    طاقة تتلبس "الشيخ الكبير" كما يصف نفسه، كلما حل بالحديقة، تمتلئ روحه بريعان شبابها المنقضِ. مدد يأتيه طيلة ساعات يعمل بها، لا يجد له مثيل بالمنزل "لما أجي أقوم من الكرسي بطلب حد من ولادي ياخد بإيدي". فكان هذا إحدى "المكافئات" كما يصف، إلى جانب الدعوات التي تمطره من عابري السبيل، يعتبرها زاد كل يوم وهو القابع بنهاية جسر الحياة حد تعبيره.

    يتأمل الرجل الثمانيني الشوارع كلما سنحت له الفرصة للتجول، لا يتعجب من امتلائها بالقمامة، بقدر قبول الناس بمختلف طبقاتها لهذا "مفيش أي سبب لنتمتع بحياة قبيحة رغم إمكانية وجود الحدائق بأبسط الطرق". يسير "النهري" بين صغاره من النباتات، يقتطف من تلك أو هذا ما يهديه للزائرين. يقسم أن "الجمال عند أطراف أناملنا" لكننا كالملتاع من الجوع يرى مائدة شهية فلا يأكل. يحلم بأن يرى مصر نظيفة، تكسوها الخضرة والألوان، ولحلمه الصغير يتمنى أن تحتفظ "بهجة القلوب" برونقها، فطالما كانت هي إجابته على مَن عاتبه للتوقف عن الكتابة قائلا "أنا بكتب آخر مقال ليا على الأرض اللي هي الجنينة".

    إعلان

    إعلان

    إعلان