إعلان

مغامرة بحرية قطعها فيروس هانتا.. كيف كانت حياة "هونديوس" قبل أن تصبح سفينة موبوءة؟

كتب : مارينا ميلاد

07:47 م 11/05/2026 تعديل في 07:54 م

سفينة هونديوس

تابعنا على

قبل أن ينقلب الحال داخل سفينة "إم في هونديوس" السياحية مع تفشي فيروس "هانتا" عليها، كانت الحياة عليها مغامرة شيقة وأقرب إلى حلم، كما يصفه ركابها السابقون والحاليون، لكنه في لحظة – تحول إلى كابوس.

في جزر الكناري الإسبانية، حيث تستقر السفينة الآن، انطلق نحو 150 راكباً وطاقماً على قوارب، رست في ميناء غراناديلا، تينيريفي، مرتدين البدلات الطبية الزرقاء وأقنعة التنفس. وصل هؤلاء إلى حافلات، أخذتهم تباعًا إلى المطار ليغادروا على متن طائرات عسكرية وحكومية، عائدين إلى بلادهم.

ولم يتوقع ركاب السفينة مثل مارتن أنستي وهانز فريدات وجاك روزمارين أن تنتهي رحلتهم الاستثنائية على هذا النحو، لم يأتِ هذا المشهد حتى في أسوأ تخيلاتهم.

كيف بدأت رحلة سفينة إم في هونديوس؟

في الأول من إبريل، كان الهولندي هانز فريدات متحمسًا ومستعدًا لتصوير وتوثيق تفاصيل رحلته التي ستستغرق أسابيع باتجاه القارة القطبية الجنوبية والعديد من الجزر المعزولة في جنوب المحيط الأطلسي، رغم أنها ليست المرة الأولى له على هذه السفينة، فقد ذهب معها في رحلة استكشافية مماثلة العام الماضي.

وعندما صعد على متنها هذه المرة، قال هانز: "هذا هو مشهد مكتبي خلال الأسابيع المقبلة.. ستبدأ رحلة المحيط الأطلسي لعام 2026". كتب "هانز" تلك الكلمات بينما كانت السفينة تتهادى في مياه قناة بيغل، وتغادر مدينة أوشوايا بالأرجنتين، والمعروفة بـ"مدينة نهاية العالم"، كونها آخر مدينة مأهولة في جنوب الكرة الأرضية، ومن مينائها تنطلق معظم السفن الاستكشافية نحو القارة الجنوبية.

وعلى مقربة منه، في زاوية أخرى على سطح السفينة، كان الأمريكي جاك روزمارين، وهو مصور ومدون، يرفع هاتفه ليسجل فيديو، يتحدث فيه عن حماسه الشديد لهذه الرحلة، ويشرح محطاتها خلال 35 يومًا، ثم يقول "إن أكثر الأشياء جنونًا بها، هو زيارته لأبعد جزيرة مأهولة في الكوكب، وهي تريستان دا كونا".

ومع وصولهم إلى هذه الجزر النائية، وقف كل من "هانز" و"جاك" على حافة السفينة، لمراقبة الطيور البحرية في بحر سكوتيا، وقال الأول: "يا له من وقت رائع في جورجيا الجنوبية! مع مناظر خلابة لطيور الزقزاق، والبط ذي الذيل المدبب، والغاق، وغيرها الكثير"، أما الثاني فخطفه مشهد الغروب في أكبر مستعمرة لبطاريق الملك في العالم، كما يصف: "الجبال والجليد في الخلفية، وبطاريق الملك في المقدمة".. ويكمل: "كان مشهداً لا يصدقه عقل، بكل ثقة، كانت هذه واحدة من أفضل تجارب الغروب في حياتي، إن لم تكن الأفضل على الإطلاق".

وفي تلك الأثناء، حالف الحظ مارتن أنستي، 56 عامًا، وهو مرشد رحلات استكشافية ومصور، يعمل مع شركة أوشنويد إكسبيدشنز، المالكة للسفينة، ليلتقط صوراً لبعض أنواع الطيور المستوطنة في الجزر المعزولة، والتي لم يكن من السهل التقاطها، كطائر "مرعة"، الذي لا يوجد إلا في جزيرة "إنكسيسبل"، وهو أصغر طائر لا يطير في العالم، وعصفور "ويلكنز" المستوطن في جزيرة "نايتينجيل" القريبة، أحد أندر الأنواع على وجه الأرض.

كان البريطاني "مارتن" سعيدًا بالصور التي في حوزته وبما أنجزه في نهاية هذه الليلة. لكن بعد أقل من أسبوع على ذلك، وجد نفسه ممدًا على سرير محمول، ويتم نقله من على متن السفينة جواً إلى هولندا ليتلقى الرعاية الطبية بعد تشخيصه بأنه مصاب بفيروس هانتا، وهو مرض نادر وخطير ينتشر عادة عن طريق القوارض.

صار "مارتن" منذ ذلك الحين ضمن ست حالات إصابة مؤكدة، حتى الآن، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.. وقد توفي ثلاثة ركاب على متن السفينة، بينما انعزل كل من "هانز" و"جاك".

لما قرأت إيميلي شميدت، وهي أمريكية تعيش في واشنطن، تلك الأخبار، "صدمتها وظلت تتابع التطورات يوميًا باهتمام"، كما تقول. فتذكرت تجربتها معها التي تعود إلى عام 2023، حيث إنها أحد ركابها السابقين.

إذ ذهبت "إيميلي" في رحلة شبيهة لـ"مارتن" و"جاك" و"هانز"، رفقة أسرتها، اختارتها لهم "ليكونوا في حالة استكشاف دائم سواء بالقوارب المطاطية أو المشي بالأحذية الثلجية، أو التنزه والتجديف"، كما تحكي.

وهناك لحظات فارقة بالنسبة لها، مثل التخييم لليلة كاملة داخل حفر حفروها بأنفسهم، والقفز في المياه المتجمدة.. فتقول: "إنه لأمر مذهل ما يحدث عندما ينقطع 170 راكبًا عن العالم الخارجي، ويتحول استخدام الهواتف إلى مجرد كاميرات فقط. لقد كسبنا أصدقاء جدد، ولعبنا الألعاب، وقرأنا الكتب، واستمعنا إلى المحاضرات في أرجاء السفينة.. بدت الـ 13 يوماً في جدول الرحلة وكأنها دهر، لكنها مرت في لمح البصر وسط هذه المغامرة."

لم يكن ما احتفظت به "إيميلي" عن السفينة في ذاكرتها يخص المغامرة والأنشطة فقط، لكن أيضًا ما أسمته "البروتوكولات التي توجب على الركاب اتباعها لحماية البشر والكوكب"، فتقول، على سبيل المثال، "كان يُمنع الجلوس على الأرض تماماً، كما كانت هناك قيود صارمة على عدد الأشخاص المسموح بتواجدهم في نفس المكان في وقت واحد."

وكما أظهرت الصور الواردة من داخل السفينة، فهي تحتوي على مطعم يضم جميع الركاب، وغرف قد يتشارك في بعضها أكثر من شخص، وغرفة للمحاضرات ومكتبة. لكن لا توجد مسابح، وتتوفر أدوات فحص للتأكد من عدم وجود ملوثات قبل وبعد زيارة الجزر، وأحذية مطاطية معقمة. كما أنها تعتبر من السفن الصديقة للبيئة، من حيث الإضاءة والمواد والتدفئة بالبخار.

ويدفع الراكب مقابل رحلته عليها ما بين 8000 و16000 دولار أمريكي.

للتجول داخل السفينة بتقنية 360 درجة: اضغط هنا

"نحن لسنا مجرد قصة عابرة.. لسنا مجرد عناوين في الأخبار"

رغم ذلك، تسلل إلى أرجائها فيروس هانتا بسلالته النادرة التي تنتقل من إنسان إلى آخر. وبحلول منتصف شهر إبريل، تجنب الركاب بعضهم بعكس الأيام الأولى للرحلة، وقضوا أوقاتهم بين القراءة ومشاهدة الأفلام، وارتدوا الكمامات حسبما ذكروا.. وانتظروا جميعاً لحظات إخلاء السفينة، والتي تجري خلال أمس الأحد واليوم.

استقرت حالة "مارتن" في مستشفى هولندا، ولم نتمكن من الوصول إلى "هانز" لمعرفة وضعه الآن. أما "جاك" فتم إجلاؤه ووصل اليوم إلى مدينة أوماها (نبراسكا، الولايات المتحدة)، ليخضع إلى الحجر الصحي المقدر مدته بـ 42 يومًا، حسب تعليمات منظمة الصحة العالمية.. ويقول: "أنا بخير وبصحة جيدة. كانت رحلة العودة سلسة، لقد كانت أياماً طويلة جداً"، وفي فيديو سابق لوصوله، وصف تلك الأيام قائلاً: "نحن لسنا مجرد قصة عابرة. نحن لسنا مجرد عناوين في الأخبار؛ نحن بشر. هناك حالة كبيرة من عدم اليقين، وهذا هو الجزء الأصعب في الأمر".

وبعد نزول جميع الركاب وأفراد الطاقم، ستتزود السفينة "إم في هونديوس" بالوقود والمؤن اللازمة في مكانها، ثم ستتجه إلى ميناء روتردام بهولندا، وعلى متنها باقي أفراد الطاقم في رحلة يمكن أن تستغرق خمسة أيام، حسب آخر تحديثات الشركة المالكة لها. ومن ناحية أخرى، توصي منظمة الصحة العالمية بتفتيش السفينة بحثاً عن القوارض، وتطهيرها، وتطبيق تدابير مكافحة القوارض المناسبة.

وبينما ينزل الركاب واحدًا تلو الآخر، سجل جان دوبروولسكي، قبطان السفينة رسالته، وقال: "لقد كانت الأسابيع القليلة الماضية مليئة بالتحديات لنا جميعاً.. في عرض البحر، يعتمد الناس على بعضهم البعض؛ فلا توجد خدمات إنقاذ جاهزة في حالات الطوارئ، لذا فإن الصمود والجلد هما صفتان متوقعتان ربما، لكني رأيتُ وشهدتُ ما هو أكثر من ذلك بكثير هذه المرة سواء من الضيوف أو الطاقم.. بصفتي قبطاناً، فإن مهمتي هي قيادة طاقمي، ورعاية ضيوفي، وإيصال السفينة بأمان إلى الميناء. ومسؤوليتنا لا تنتهي عند وصولنا إلى هنا في جزر الكناري. لقد كنا جميعاً جزءاً من هذه الرحلة، ولا أتمنى شيئاً أكثر من أن يتمكن الجميع من العودة إلى ديارهم بسلام وبصحة جيدة".

تشاهد "إيميلي"، الراكبة السابقة للسفينة، تلك الرسالة والأخبار المتلاحقة، وتقول: "في وقت، لا زلت أحمل أروع الذكريات عما شاهدته في الرحلة، وعمن التقيت بهم، وكيف تعلمت من المرشدين، وما خرجت به من دروس حول مكانتنا الهشة في هذا العالم المذهل والغامض.. فأرى اليوم الطاقم والركاب، سواء من هم على متن السفينة أو خارجها، يختبرون الآن نسخة جديدة وقاسية من هذا الدرس في وقتنا الراهن، قلبي معهم".

اقرأ أيضا:
فيروس هانتا.. كل ما تريد معرفته عن المرض المثير للقلق (الأعراض وطرق الانتشار)

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان