• "إنتوا جايين بلدنا ليه؟".. سوري وسوداني يواجهان التنمّر داخل المدارس المصرية

    09:50 م الأحد 09 سبتمبر 2018
    "إنتوا جايين بلدنا ليه؟".. سوري وسوداني يواجهان التنمّر داخل المدارس المصرية

    طلاب المدارس

    كتبت-رنا الجميعي:

    منذ خمسة أعوام قدم محمد سعيد السوري إلى مصر بصحبة زوجته وأولاده التوائم الثلاثة. التحق الأشقاء بإحدى المدارس المصرية بمنطقة السادس من أكتوبر، تمنّوا تعليمًا جيدًا يدفعهم بعيدًا عن أجواء الحرب التي قدموا منها، غير أنهم ظلوا يمسون ويصبحون على مضايقات زملائهم المصريين، وسوء إدارة المدرسة.

    يتحدّث "محمد"، وهو واحد من الأبناء، لمصراوي قائلًا "كانوا بيقولوا انتوا احتليتوا البلد، إيه اللي جابكم هنا، مش كفاية قاعدين معانا؟"، تكررت تلك المضايقات، وصار من الطبيعي أن يُشار إليهم بذلك، فيما لم تقتصر المضايقات على زميل أو اثنين "دي كانت المدرسة كلها"، بحسب الابن فإن عدد الطلبة يصل إلى ألف، كان من بينهم حوالي 400 سوري، يُذكر أن تلك المضايقات تُسمّى " التنمر".

    تُعرّف منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) التنمر، على أنه أحد أشكال السلوك العدواني الذي يتسبب من خلاله شخص ما في إيذاء شخص آخر أو إزعاجه بطريقة مُتعمّدة ومتكررة.

    كان الأولاد الثلاثة خلال المرحلة الإعدادية يتعرضون لتلك المُضايقات باستمرار، لا يُفوّت يوم دون كلمة على الأقل، غير أن الأمر لم يقف عند ذلك؛ "كنا بنتخانق مع بعض"، يقول محمد إن المُشاجرة تبدأ من زملائه المصريين، وبالتالي لا يسكت عليها مُحمد أو إخوته، يجهل الصبي تمامًا ما العيب في كونه سوريّا وليس مصريّا، تلك المشاجرات تطوّرت ذات مرة إلى ضرب عنيف.

    تمكّن محمد من اكتساب أصدقاء مصريين بالمدرسة، يتذّكر أن واحدًا منهم دافع عنه ذات مرة في إحدى المُشاجرات.

    لم يقتصر التنمّر على زملاء محمد فقط، بل وصل إلى المدرسين، يذكر الصبي السوري أن شقيقه كان يرتدي نظارة، ورغم طلبه من المدرسة نقله إلى مقعد آخر في مقدمة الفصل، لكنّها رفضت، وظل أخوه في نهاية الفصل لا يرى شيئًا من الدرس، هذا بالإضافة إلى استقواء الزملاء المصريين على التوائم الثلاثة في مسألة تغيير المقعد الدراسي "ممكن ييجي واحد يقومني من مكاني عشان عاجبه المكان، ويقولي أروح أقعد في مكان تاني".

    لم يكن موقف إدارة المدرسة في كل تلك المسائل جيدًا، بحسب الوالد "محمد سعيد"، فإنه قدّم شكواه أكثر من مرة بشأن أولاده، لكنه يتذّكر ذلك اليوم جيدًا حين قالت له المُديرة "احنا مش قادرين عليهم".

    حينها علم سعيد أن عليه التصرّف بمفرده، قام بنقلهم إلى مركز سوري، يجمعهم بأقرانهم السوريين، بينما مكتوب على الورق أن التوائم الثلاثة مُلتحقون بمدرسة مصرية.

    لا تستثني جاسمين عبدالحليم أخواتها الثلاثة من التنمّر، هى الشقيقة الكبرى لهم، غير أنها لم تتعرض مثلهم لمضايقات حين استقرت أسرتها السودانية بمصر عام 2009، تختص الشابة تحديدًا أخاها أبابكر وشقيقتها ترتيل، كره أبوبكر المدرسة حتى بدأ في اختراع الحجج لئلا يذهب، أما ترتيل رغم تعرضها للتنمر لكنها تمكّنت من الاندماج.

    كل يوم كان أبوبكر يُعاقب على لونه الأسمر "هو أكتر سمار من إخواتي التانيين، أما ترتيل فكان لونها أفتح عشان كدا كانت أقرب للمصريين"، تذكر جاسمين كيف تعددت حجج أبي بكر لعدم الذهاب للمدرسة "كل يوم كنا بنفكر إزاي يروح المدرسة، كنا بنتحايل عليه أو نديله رشوة فلوس عشان يروح".

    منذ عامين انتقل أبوبكر إلى مدرسة سودانية لكنه ما زال يتذكر حتى الآن السُباب والمضايقات التي تعرض لها من أقرانه المصريين "كانوا بيقولوا لي يا أسود، وغور من هنا دي بلدنا، وكانوا بيشتموا بالأب والأم".

    اختبر أبوبكر طرقًا عديدة للتنمر، من بينها أيضًا كما يحكي "ممكن واحد يعمل نفسه كويس معايا، وبعدها يضايقني، يعني يقولي أنت صاحبي أنا بهزر معاك، وقدام الناس يقولي غور من هنا"، في أغلب الأحوال لم يكن الصبي يدافع عن نفسه، إلا قليلًا "كنت بقولهم يا مجانين، فيتخانقوا معايا ويقولولي إحنا نشتم وأنت متشتمش"، في المرات التي قام فيها أبوبكر بالشكوى منهم إلى المدرسين "لما أروح للمدير واشتكي، بييجي يسألهم إنتوا ليه عملتوا كدا؟ ويتكلم معاهم، وبعدين يضرب على إديهم خفيف ويرجعوا تاني".

    كان للتنمر أوجه عديدة بالنسبة لأبي بكر، أولها السُباب والتمييز العنصري حتى تصل إلى الضرب، تصف جاسمين أخاها بأنه صبي إنطوائي "مبيردش عليهم"، هذا بالإضافة إلى أنه غير نشط خلال الحصص الدراسية "لو عارف الإجابة ميرفعش إيده يجاوب، حتى لو عارفها يخاف ينطق غلط"، فالمضايقات لم تتوقف عند أقرانه فقط بل امتدت للمدرسين "ممكن الفصل كله ميعملش الواجب بس المدرس ييجي عليا أنا، ويقولي مبتحلوش ليه؟، إنت قاعد في بلدنا ومبتحلش الحاجات بتاعتنا!".

    8 سنين ظلّ فيها أبوبكر بتلك المدرسة المصرية الواقعة بمنطقة الهرم، وهى محل سكنه، تقول جاسمين إن شخصية أخيها تغيّرت كثيرًا "بقى إنطوائي أكثر"، بالإضافة إلى عدم ثقته في نفسه "دايمًا بحاول أصلح من شخصيته"، ظلّ أبوبكر على كراهيته للمدرسة "كنت بعمل نفسي تعبان عشان ماروحش"، ورغم بُعد المسافة بين مدرسته القديمة والجديدة الواقعة بمنطقة الدقي إلا أنه يُفضّلها أكثر "وقتها مكنش عنده إلا صاحب واحد، دلوقت عنده صحاب وبيروحلهم".

    على العكس من أبي بكر، لم تكن تجربة أخته ترتيل بهذا السوء، تُفسّر جاسمين ذلك قائلة "هى عرفت تتكلم مصري بسهولة، غير إن بشرتها أفتح من أبي بكر". تقول ترتيل الشابة التي ستلتحق بالجامعة هذا العام "أنا كنت في مدرسة مصري من تانية إعدادي لحد أولى ثانوي"، نفس المُضايقات اللفظية تعرّضت لها ترتيل "بيقولولي يا سمرا، يا سودا، يا شيكولاتة"، ويُمكن أن يتطوّر الأمر للتحرش "ممكن حد يحط إيده على وشي"، في البداية "كنت جاية من السودان وخفت من الكلام ده، بس لما كبرت عرفت أجيب حقي".

    مع الوقت تعلّمت ترتيل كيف تردّ "كنت بقولهم دي خلقة ربنا"، مما يُخرس الألسنة الموجهة لها، ومع تمكّنها من اللهجة المصرية أكثر "افتكروني إني نوبية من أسوان"، تقول ترتيل إن ذلك خفّض من حدة التنمر.

    في المنزل حين يشكو أبوبكر وترتيل من المضايقات التي تعرضا لها، كانت الأم ترى أن الحل المناسب هو ألا تتدخل "بقولهم حلوا مشاكلكم بنفسكم"، حاول الشقيقان أكثر من مرة التوجه لأحد مُدرسيهم أو الإدارة "لكن مكانوش بياخدوا الموضوع بجدية، ويقولولنا إنهم بيهزروا".

    حين استقرّت الأسرة بمصر، لم تعرف أن هناك شيئًا يُسمى بـ"التنمر"، وحين سرد أبناؤها قصصهم "كنت بقول إن دا بيحصل للكل مش مستقصدينهم"، كانت تُواجه حكايات أبنائها بتدريبهم على تجنب المشاجرات والمضايقات، كانت تُعلم أبابكر تحديدًا "أقوله لما تخلص امشي أول واحد، واخرج من الفصل، ولو حد قالك حاجة متردش عليه وامشي"، كانت تلك هى طريقتها البسيطة.

    تابع موضوعات الملف:

    بعد محاولته الانتحار.. مصطفى يقود مبادرة ضد التنمر في المدارس

    1

    التنمّر على كل شكل ولون.. ذكريات المدرسة "مش وردية"

    2

    حقائق حول التنمّر (فيديو جراف)

    3

    "انتوا بنات ملجأ".. حكاية 3 فتيات عانين من التنمّر

    5

    حائط صد.. الأهالي ساندوا أولادهم لمقاومة العنصرية في المدارس

    6

    "كنت متنمرًا".. نورهان أوشكت على الوقوع في فخ الأذى

    7

    روشتة "إخصائي اجتماعي مثالي" لمواجهة الأذى النفسي في المدارس

    8

    مواجهة "فريدة".. حكاية طالبة تغلبت على التنمر واستقبلت رسالة اعتذار

    9

    "الحل عند الآباء".. كيف نتعامل مع الطفل المتنمّر؟

    10

    "لسانك حصانك".. التنمّر دفع أحمد وكريم لكراهية المدرسة

    11

    بعد حملة "التعليم".. قصص "التنمر" ضد مسيحيين في المدارس

    2018_9_10_21_15_3_642

    إعلان

    إعلان

    إعلان