إعلان

قدراتها تتآكل.. كيف أسقطت إيران إسرائيل في "مستنقع استنزاف"؟

كتب : محمد طه

05:27 ص 27/03/2026

إيران أرهقت إسرائيل عسكريًا واقتصاديًا (صورة بالـ

تابعنا على

تشهد المواجهة العسكرية الإسرائيلية مع إيران تحولًا استراتيجيًا عميقًا في الأيام الأخيرة من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي. إذ تتجه تل أبيب بوضوح نحو التورط في مستنقع استنزاف إقليمي مستمر، متخليةً بالكامل عن عقيدتها العسكرية والأمنية الكلاسيكية القائمة تاريخيًا على مبدأ حسم المعارك ونقل الحرب إلى أرض العدو سريعًا بالضربات الاستباقية الخاطفة. بينما تؤكد التحليلات العسكرية والأمنية خطورة هذا المسار غير المسبوق، محذرةً من إرهاق تدريجي في البنية العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية، وفرض أعباء يومية هائلة تعجز ميزانية الدفاع العادية عن تحملها لفترات طويلة متصلة، تؤدي في الأخير إلى انهيار غير مسبوق.

سياسيًا وعسكريًا.. خطر الانهيار قريب

تتجلى التصدعات الاستراتيجية الخطيرة في بنية القوة البشرية الإسرائيلية في تقييمات القيادة العسكرية العليا التي باتت تدق ناقوس الخطر بشكل علني وتطالب بحلول جذرية؛ فبالأمس، أطلق رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير تصريحات صادمة ومفصلة تعكس حجم الأزمة، مؤكدًا اتجاه الجيش بخطى متسارعة نحو الانهيار الداخلي التام في حال استمرار نمط المواجهة الجاري.

تستند هذه التحذيرات العسكرية القوية إلى عشرة مؤشرات عملياتية واضحة، يتصدرها تسجيل عجز بشري حاد يقارب 15 ألف جندي في صفوف القوات المسلحة وانخفاض مقلق في معدلات التجنيد النظامي. يضاف إليها الضغط التشغيلي المميت الممارس على قوات الاحتياط التي استُنزفت طاقاتها النفسية والجسدية والاقتصادية على مدار أشهر طويلة من التعبئة المستمرة والمشاركة في جبهات قتالية متعددة.

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد (يمين) ورئيس الأركان إيال زامير (جيتي)

وتتطابق هذه المخاوف الميدانية مع التقييم السياسي المعارض، الذي يظهر في تحذيرات زعيم المعارضة يائير لابيد من كارثة أمنية كبرى توشك أن تعصف بالكيان، موجهًا اتهامات صريحة للقيادة السياسية الحالية بتعمد استنزاف القوات المسلحة ودفع المؤسسة العسكرية نحو حافة السقوط الشامل.

ويضاف إلى ذلك، الانهيار الذي يتجاوز حدوده العسكرية ليعصف ببنية الاقتصاد الإسرائيلي المتراجع، حيث سجلت ميزانية الدفاع عجزًا ماليًا غير مسبوق تجاوز حاجز الـ 9 مليارات دولار في الأسابيع الأولى من العملية فقط.

وتزامن هذا النزيف المالي مع شلل شبه تام في قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) الذي يعتمد أساسًا على كفاءات تم استدعاؤها للاحتياط. فيما تفاقمت الأزمة المجتمعية مع استمرار نزوح أكثر من 100 ألف مستوطن من مناطق الشمال، مما خلق ضغطًا سياسيًا داخليًا أفقد الحكومة الإسرائيلية ثقة الشارع في قدرتها على إدارة حرب طويلة الأمد، وعمق من حالة الشرخ الداخلي التي حذرت منها التقارير الاستخباراتية.

حرب إيران وتشتيت إسرائيل

تتضاعف حدة هذا الاستنزاف الداخلي ومخاطره مع اشتعال الجبهة الشمالية بشكل غير مسبوق، وتحولها إلى أداة تشتيت استراتيجي بالغة الفعالية بيد المحور الإيراني.

وتكشف وتيرة التصعيد الميداني لحزب الله خلال الأيام الأخيرة من مارس الجاري عن تنسيق عملياتي متقدم مع طهران لزيادة الضغط المباشر على الدفاعات الإسرائيلية واستنفاد مواردها البشرية والتقنية. إذ نفذ حزب الله هجومًا واسعًا أول من أمس الأربعاء بإطلاق أكثر من 100 صاروخ وطائرة مسيرة انقضاضية دفعة واحدة باتجاه مناطق الجليل وحيفا، وأتبعه بهجوم مكثف يوم أمس الخميس شمل إطلاق نحو 70 صاروخًا إضافيًا في غضون ساعة واحدة فقط.

وتؤكد هذه الكثافة النيرانية حقيقة استخباراتية صادمة أقرت بها سابقًا مراكز التقييم الإسرائيلية، وفي مقدمتها مركز "ألما" للدراسات؛ فقد نجح حزب الله بشكل لافت في ترميم قدراته العسكرية وتعويض خسائره السابقة.

وتشير التقديرات إلى امتلاك الحزب ترسانة نشطة تقارب 25,000 صاروخ وقذيفة عشية انطلاق هذه الحرب، معظمها يتمتع بقدرات تدميرية قصيرة ومتوسطة المدى.

والأخطر بالنسبة للدفاعات الإسرائيلية هو اعتماد الحزب على تصنيع طائرات مسيرة انتحارية محليًا، مثل طراز (شاهد-101)، وتخزين هذه الترسانة الضخمة داخل شبكة معقدة من منصات الإطلاق المموهة والمخابئ تحت الأرضية في مناطق عميقة شمال نهر الليطاني.

أيضًا، تجاوزت هذه الهجمات الصاروخية محاولات فرض الضغط النفسي على المستوطنين واستهدفت بنك أهداف عسكري بالغ الأهمية، شمل ضرب قواعد الدفاع الجوي الحساسة ورادارات منظومة القبة الحديدية والاستهداف المباشر لقاعدة "جليلوت" الاستخباراتية.

يشير ذلك إلى خطورة هذه الجبهة المفتوحة، التي تطبق بدقة استراتيجية "استنزاف ممتد" بهدف إنهاك القوة الجوية الإسرائيلية وتشتيت تركيزها ومواردها التكتيكية بعيدًا عن العمق الإيراني، كما يشير تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS).

خدمة الإسعاف الإسرائيلية

إسرائيل وإيران وحرب الإحداثيات المتطورة

تمثل معمارية الدفاع الجوي الإسرائيلية نقطة الضعف الاستراتيجية الأكثر بروزًا في مسار هذه المواجهة، وهو الواقع المرير الذي وثقه "المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي" (JINSA) في تقريره الاستراتيجي "الدرع المتآكل" الصادر أمس الخميس.

يرصد التقرير الأمريكي تدهورًا سريعًا وخطيرًا في كفاءة وبنية الدفاع الجوي الإسرائيلية، ناتجًا عن استراتيجية إيرانية متعمدة لاستهداف الرادارات المتقدمة وشبكات الإنذار المبكر لتعمية المنظومات الدفاعية قبل توجيه الضربات الكبرى.

وتتفاقم الأزمة العملياتية بشكل حاد مع لجوء طهران إلى إمطار السماء بأسراب كثيفة من الطائرات المسيرة الرخيصة الثمن، مما يستنفد المخزون الاستراتيجي للصواريخ الاعتراضية الباهظة التكلفة بطريقة غير متكافئة اقتصاديًا، وهو وضع حذر منه باحثو معهد (INSS) مؤكدين اقتراب نضوب ذخائر منظومات "آرو".

وبالنظر إلى البعدين الروسي والصيني الاستخباراتي في هذه الحرب الأخيرة، يبدو أن المعارك تتحول فعليًا إلى "حرب إحداثيات" شديدة التعقيد، اعتمادًا على تقنيات استطلاع فضائي ورادارات متطورة بدعم مباشر من روسيا والصين عبر توظيف قدرات قمر "خيام" الصناعي ورادارات "ريزونانس"، ما يضمن دقة استثنائية للضربات الإيرانية الموجهة نحو المصانع الحيوية الإسرائيلية.

اقرأ أيضًا: بعد تصريح عراقجي.. كيف تدير الصين وروسيا "حرب الإحداثيات" لإنقاذ إيران؟

روسيا والصين.. هكذا تُحدث إيران بنك أهدافها

ويمنح الاعتماد الإيراني على قمر "خيام" الصناعي الحرس الثوري الإيراني قدرة فائقة على تحديث بنك الأهداف الإسرائيلي آنيًا، متجاوزًا بذلك تكتيكات التمويه العسكري الكلاسيكية التي يتبعها الجيش الإسرائيلي.

كما تخلق هذه المعطيات التقنية مفارقة اقتصادية قاتلة رصدها خبراء (JINSA)؛ إذ تضطر إسرائيل لإطلاق صواريخ اعتراضية تتجاوز تكلفتها مليوني دولار للصاروخ الواحد، من أجل إسقاط طائرات مسيرة إيرانية لا تتعدى تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات.

ويقود هذا التباين الشاسع في تكلفة التسليح إلى حتمية رياضية وعسكرية تتمثل في "الإفلاس الدفاعي"، حيث تُستنزف الميزانية الدفاعية الإسرائيلية بمعدل أسرع بكثير من قدرة المصانع وخطوط الإمداد الأمريكية على تعويضها.

قوات إسرائيلية بالقرب من حدود لبنان (الفرنسية)

كيف تتجه إسرائيل إلى حتمية الانهيار التشغيلي؟

تقود كل هذه المعطيات التكتيكية والاستراتيجية المتضافرة إلى استنتاج تحليلي قاطع تتبناه اليوم كبرى مراكز التقييم والأبحاث الإسرائيلية بشأن العجز الهيكلي العميق للدولة عن الاستمرار في هذا المسار الحربي.

تؤكد تقديرات معهد (INSS) بوضوح تام نجاح استراتيجية طهران المرتكزة على مبدأ "الاستنزاف حتى الانهيار الداخلي"، وتكبد إسرائيل يوميًا أثمانًا باهظة تفوق قدرة جبهتها الداخلية على التحمل.

ويُجمع الخبراء الأكاديميون والعسكريون داخل المعهد على استحالة صمود إسرائيل عسكريًا أو اقتصاديًا في ظل حرب استنزاف طويلة ومفتوحة على عدة جبهات مشتعلة بالتزامن مع الجبهة الإيرانية وجبهة حزب الله اللبناني.

ومع استنفاد المخزون الصاروخي الدفاعي الدقيق، وتآكل القدرات البشرية الحادة الذي كشف عنه إيال زامير، تتجه المؤسسة العسكرية بخطى ثابتة نحو شلل تشغيلي متكامل يعوق قدرتها الأساسية على حماية التجمعات السكنية.

وتصبح نتيجة الانهيار الشامل حتمية استراتيجية متوقعة في حال امتداد هذه المواجهة المعقدة لأشهر إضافية في ظل غياب أفق سياسي للحل أو تدخل دولي حاسم ينقذ المنظومة الإسرائيلية بأكملها، وهو ما يقود أيضًا إلى تآكل الجبهة الشعبية الداخلية المؤيدة لحرب إيران. فكيف يُكمل الاحتلال "ذئيره" بجسد منهك؟

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان