إعلان

الامتحانات محطة لا نهاية: رسالة تربوية ونفسية لكل طالب أثقلته المخاوف

د. رودينا خيري

كتب - د. رودينا خيري

07:36 م الثلاثاء 12 مايو 2026

د. رودينا خيري مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية بكلية التربية جامعة الزقازيق

في كل بيت تقريبًا، ومع اقتراب موسم الامتحانات، تتغير ملامح الحياة؛ يزداد التوتر، وتعلو نبرة القلق، وتتحول ساعات اليوم إلى سباق طويل بين المذاكرة والخوف من النتيجة، أرى طلابًا يسهرون حتى الفجر وهم يحاولون حفظ أكبر قدر ممكن من المعلومات، وأرى آخرين يفقدون شهيتهم للطعام، أو ينعزلون عن أسرهم وأصدقائهم، بل إن بعضهم يدخل في حالة نفسية شديدة الخطورة قد تصل إلى الاكتئاب أو التفكير في إيذاء النفس بسبب الخوف من الفشل أو ضياع المستقبل، والأصعب من ذلك أن كثيرًا من الطلاب يظنون أن هذه المعاناة أمر طبيعي، وأن النجاح لا يأتي إلا على حساب الصحة النفسية والجسدية.

وأكدت العديد من الدراسات والبحوث التربوية والنفسية أن الضغط النفسي المستمر يؤثر بصورة مباشرة على الذاكرة والتركيز والقدرة على استرجاع المعلومات؛ فالطالب الذي يعيش تحت توتر دائم لا يعمل دماغه بالكفاءة نفسها التي يعمل بها في حالة الاستقرار النفسي، كما أكدت هذه الدراسات والبحوث أن القلق الشديد قبل الامتحانات يؤدي إلى ضعف الانتباه واضطراب النوم وزيادة النسيان، مما يجعل بعض الطلاب يظنون أنهم " فقدوا كل ما ذاكروه"، بينما الحقيقة أن المشكلة ليست في قدراتهم العقلية، بل في حالة التوتر التي تمنع الدماغ من استرجاع المعلومات بشكل طبيعي، وأكدت أيضاً أن النوم الجيد يؤدي دورًا رئيساً في ترسيخ المعلومات داخل الذاكرة طويلة المدى، بينما يؤدي السهر المستمر إلى انخفاض الأداء الأكاديمي وضعف التركيز والإرهاق الذهني، ولهذا فإن الطالب الذي ينام عدد ساعات كافٍ غالبًا يكون أكثر قدرة على الفهم والتذكر من طالب يسهر الليل كله وهو منهك ذهنيًا وجسديًا.

ومن أكثر الأخطاء التي يقع فيها الطلاب إهمال الطعام خلال فترة الامتحانات، بعضهم يكتفي بالقهوة والمنبهات، وآخرون يعتمدون على الوجبات السريعة والحلوى لساعات طويلة، ظنًا منهم أن ذلك يوفر الوقت أو يساعد في التركيز، بينما الحقيقة العلمية تؤكد أن الدماغ يحتاج إلى تغذية متوازنة حتى يؤدي وظائفه بصورة سليمة؛ فالعقل البشري يستهلك نسبة كبيرة من طاقة الجسم، وعندما يحرم الإنسان نفسه من الطعام الصحي تقل قدرته على التركيز والاستيعاب، ويزداد التوتر والعصبية والإرهاق، لذلك فإن تناول البروتينات والخضروات والفواكه وشرب الماء بانتظام ليس أمرًا ثانويًا، بل جزء أساسي من النجاح الدراسي والصحة النفسيةن والإسلام سبق العلم الحديث في الدعوة إلى الاعتدال والعناية بالجسد، فقال الله تعالى: " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" (الأعراف: 31)، وفي هذه الآية دعوة عظيمة إلى التوازن الصحي والابتعاد عن كل ما يضر الإنسان أو يهلك جسده.

كما أن من أخطر المشكلات التربوية التي نعيشها اليوم اختزال قيمة الإنسان في مجموعه أو تقديره الدراسي فقط؛ فالتفوق والنجاح الدراسي أمران مهمان بلا شك، والاجتهاد والسعي إلى التميز من القيم التي ينبغي أن نغرسها في أبنائنا دائمًا، غير أن الخطأ يكمن في أن يظن الطالب أن درجاته هي المعيار الوحيد الذي يحدد قيمته أو مستقبله كاملًا؛ فبعض الطلاب، عندما يتعرضون لتعثر في مادة دراسية أو انخفاض في الدرجات، يشعرون وكأن حياتهم قد انتهت، وهذا تصور خطير من الناحيتين النفسية والتربوية، فالنجاح الحقيقي لا يعتمد على الدرجات وحدها، بل يتطلب أيضًا شخصية متوازنة، وصحة نفسية جيدة، وقدرة على التعامل مع الضغوط والتحديات، وكم من إنسان لم يكن متفوقًا دراسيًا، ثم نجح وتميز في حياته بفضل اجتهاده واستمراره وتطويره لنفسه، وكم من متفوق عانى لاحقًا بسبب القلق المستمر والخوف من الفشل، ولهذا يجب أن نعلم أبناءنا أن الاجتهاد وبذل أقصى ما لديهم أمر أساسي لا غنى عنه، وأن النجاح الدراسي يفتح فرصًا مهمة في الحياة، ولكن في الوقت نفسه، إذا تعثر الإنسان في مرحلة ما أو واجه فشلًا مؤقتًا، فإن ذلك لا يعني نهاية الطريق، بل هو موقف يمكن أن يتعلم منه ويعود بعده أقوى من قبل.

وللأسف، فإن الضغط الأسري والاجتماعي يزيد الأزمة تعقيدًا لدى العديد من الطلاب، فبعض الأسر تجعل الابن يعيش في حالة خوف دائم من العقاب أو المقارنة أو الإهانة إذا لم يحصل على درجات مرتفعة، وبعض الطلاب يسمعون كلمات قاسية تؤذيهم نفسيًا أكثر مما يتخيل الآباء والأمهات، والمقارنة بين الأبناء أو بين الطلاب من أكثر الأمور التي تدمر الثقة بالنفس وتزرع الإحباط داخل الطفل أو الشاب؛ فلكل إنسان قدراته وظروفه وطريقته الخاصة في الفهم والتعلم، والتربية السليمة لا تقوم على الترهيب والإهانة، بل على التشجيع والاحتواء والدعم النفسي، والكلمة الطيبة قد تمنح الطالب طاقة للاستمرار، بينما الكلمة القاسية قد تبقى جرحًا نفسيًا لسنوات طويلة.

ومن القضايا المهمة التي يجب الحديث عنها أيضًا قضية الغش؛ فبعض الطلاب يلجؤون إليه بسبب الخوف الشديد من الفشل أو ضغط المجتمع، لكن الغش لا يصنع نجاحًا حقيقيًا، بل يصنع ضعفًا داخليًا وشعورًا دائمًا بعدم الثقة بالنفس، وقد نهى الإسلام عن ذلك بوضوح شديد، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا" رواه مسلم، وفي رواية له: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: " ما هذا يا صاحب الطعام؟" قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: " أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس! من غشنا فليس منا"، وفي هذا الحديث تحذير بالغ ووعيد شديد لمن اعتدى على المسلمين، أو شق عصا جماعتهم، أو خرج عن بيعتهم، كما يتضمن وعيدًا شديدًا لمن خانهم بالغش والخداع، ومن صور الغش: إظهار الرديء في صورة الجيد، وخلط اللبن بالماء، وترويج النقود الزائفة على أنها صحيحة.

والنجاح الحقيقي ليس في الحصول على درجات بأي وسيلة، بل في بناء شخصية قوية صادقة قادرة على تحمل المسؤولية، والطالب الذي ينجح بجهده يشعر بقيمة نفسه وثمرة تعبه، أما من يعتمد على الغش فإنه يعيش دائمًا في خوف وقلق وفقدان للثقة.

كما يجب أن ندرك أن الصحة النفسية للطلاب ليست رفاهية كما يظن البعض، بل هي ضرورة حقيقية؛ فالطالب يحتاج إلى الراحة النفسية، وإلى فترات استرخاء، وإلى ممارسة الرياضة ولو بشكل بسيط، وإلى النوم الكافي، وإلى وجود شخص يسمعه ويفهمه دون سخرية أو تقليل من مشاعره، وتشير دراسات نفسية حديثة إلى أن الدعم الأسري والاجتماعي يقلل بصورة كبيرة من مستويات القلق والاكتئاب لدى الطلاب، وأن الشعور بالأمان النفسي يساعد في تحسين الأداء الدراسي وزيادة القدرة على مواجهة الضغوط.

وبصفتي أستاذة جامعية وتربوية، أقول لكل طالب يشعر الآن بالخوف أو الإرهاق: لا تجعل الامتحان يتحول إلى معركة ضد نفسك، إذا تعبت فاسترح، وإذا شعرت بالضغط فتحدث مع من تثق به، وإذا فشلت مرة فتذكر أن الحياة لا تنتهي عند تعثر مؤقت، واهتم بطعامك ونومك وصلاتك وصحتك النفسية، ولا تعزل نفسك عن الناس، ولا تسمح لفكرة سلبية أن تقنعك بأنك بلا قيمة، يقول الله تعالى: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً" (النساء: 29)، وهذه الآية رسالة رحمة عظيمة لكل إنسان يظن أن الدنيا أغلقت أبوابها بسبب خوف أو فشل أو ضغط نفسي؛ فالله أرحم بنا من أنفسنا، والحياة دائمًا فيها فرصة جديدة وبداية جديدة وأمل جديد.

وفي النهاية، أؤمن أن واجبنا الحقيقي كأسر ومدارس وجامعات وإعلام ومجتمع هو أن نربي جيلًا متوازنًا نفسيًا وإنسانيًا، لا مجرد جيل يحفظ المعلومات فقط، كما نحتاج أن نعلم أبناءنا كيف ينجحون دون أن ينهاروا، وكيف يجتهدون دون أن يفقدوا صحتهم، وكيف يتعاملون مع الفشل قبل النجاح؛ فالإنسان لا يُقاس بدرجاته فقط، بل بأخلاقه وصحته النفسية وقدرته على الاستمرار والأمل مهما كانت الظروف، والحياة أكبر من امتحان، وأوسع من نتيجة، وأجمل بكثير حين يعيشها الإنسان مطمئن القلب سليم النفس.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان