إعلان

قوات أنزاك.. التاريخ المنسي

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الخميس 30 أبريل 2026

في عام 1914، أبحرت القوات الأسترالية والنيوزيلندية على متن البوارج الحربية إلى الإسكندرية، وسافرت من هناك إلى القاهرة التي وصلوها في 20 ديسمبر 1914. استغرقت الرحلة البحرية لهذه القوات إلى مصر ستة أسابيع. كان المقترح الأول لتسمية هذه القوات هو «قوات الجيش الأسترالي»، وهذا المسمى يظهر في اليوميات الأولى للقوات. ضم الجيل الأول من هذه القوات عددا من التجار والموظفين والعمال والمزارعين والمهنيين من كافة طبقات المجتمع.
كان مركز قيادة القوات الأسترالية والنيوزيلندية في فندق شبرد في القاهرة. وكان موظف في استلام التموين يكتب على الصناديق المشحونة اسم: «فيلق الجيش الأسترالي والنيوزيلندي»، ولما كان الاسم طويلا ومن الصعوبة استعماله كاملا في المستندات والبرقيات والشفرة، طبع ضابطان في الفندق ختما مطاطيا لكلمة ANZAC إشارة للفيلق، ومنذ ذلك الوقت أُطلِق هذا الاسم واستمر حتى يومنا هذا.
يقول قائد أنزاك اللواء بيردوود في مقدمة مؤلف لجنود الأنزاك يحتوي على يومياتهم في غاليبولي:
«قد يفيد القراء أن يعرفوا أصل تسمية أنزاك ANZAC، فعندما توليتُ قيادة القوات الأسترالية والنيوزيلندية، وطُلِب مني اختيار مصطلح مختصر جدا كعنوان لقواتي؛ اخترت مصطلح أنزاك ANZAC؛ ليكون سهلا في المراسلات. وعندما نزلنا في غاليبولي في أبريل 1915، طُلب مني اقتراح مسمى للشاطئ الذي نزلنا عليه، فاقترحتُ مسمى خليج أنزاك ANZAC Cove».
بعد قدومها إلى مصر، كان لتدريب أنزاك هدفان، هما: رفع كفاءتها القتالية، ومحاولة جذبها لنشاط يُفرّغ فيه الجنود طاقتهم الزائدة؛ لإبعادهم عن أي سلوك غير منضبط. ومنذ الأول من فبراير 1915، تم تكثيف التدريبات، ليصبح تدريبا متقدما للغاية، وكانت إجازة الجنود يوم السبت من كل أسبوع، كما كان هناك راحة جزء من الوقت يوم الأحد، تبدأ من بعد الظهر بعد الذهاب إلى الكنيسة والانتهاء من المهام اليومية في المعسكر، وكان التدريب في الأيام الخمسة الأخرى من الأسبوع لمدة ثماني ساعات يوميا.
وكان يتم تكثيف التدريب أحيانا، وكنموذج لهذا التدريب المكثف، ما قام به العقيد ماك لورين Mac Laurin، بزيادة مستوى التدريب للواء المشاة الأول في الفرقة الأسترالية الأولى في 8 فبراير 1915؛ فجعل الجنود تمشي لمسافة ثمانية أميال (12.87 كيلومتر) من معسكر مينا بجوار الأهرام وفندق مينا هاوس، إلى قرية بني يوسف التابعة لمركز أبي النمرس بالجيزة. وقام لواء المشاة بمناورات عسكرية لمدة أربعة أيام وليال متواصلة للتدرب على القتال والتحصين.
أصيب عدد من الجنود بالحُمى؛ لأنهم كانوا يتدربون فوق رمال الصحراء، حاملين حقائب ثقيلة ومعدات قتال، وكانوا يتصببون عرقا من الجهود في جو الصحراء الحار نهارا، ثم يتعرضون بعدها للرياح الباردة ليلا، مما أدى إلى مرض بعضهم. فعلى سبيل المثال، مرض 43 جنديا من أصل 200 جندي من جنود الكتيبة الخامسة من كتائب المشاة، وتم إعفاء عشرة منهم من الخدمة نظرا لمرضهم الشديد.
أدار اللواء ماكسويل مدارس عليا لتدريب المعلمين العسكريين في مصر. وتدرب في هذه المدارس حوالي ألف جندي. كما تم تأسيس المدرسة الإمبراطورية للتعليم العسكري في الزيتون. وكان الضباط وضباط الصف يتلقون تعليمهم في مدارس قوات الشرق الأوسط Middle East Forces (MEF) في الإسماعيلية، حيث أقيمت مدرسة للتدريب على إطلاق المدفع الرشاش، وكان مديرها اللواء مري منذ 19 مارس 1916. وبعد تحقيق نتائج ممتازة، تم دمجها مع المدرسة الإمبراطورية للتعليم العسكري في الزيتون، وكان مديرها العقيد كولستون، وكانت تُدرِّب الضباط على استخدام المدفع الرشاش طراز لويس.
انتشرت معسكرات أنزاك في مناطق متعددة، وكان من أهمها: معسكر المطار في هليوبوليس (مصر الجديدة) في القاهرة، وكان مخصصا لإقامة لواء المشاة الأسترالي الرابع، ومعسكر ثكنات قصر النيل، وكان مخصصا لحماية القاهرة، ومعسكر العباسية الذي كان عبارة عن ثكنة عسكرية ومقرا للمستشفى الأسترالي العام الثالث في نفس الوقت. وتم استغلال معسكرات الجيش المصري، ومن أهمها معسكر القلعة الذي استولت عليه القوات البريطانية. إلا أن معسكر مينا كان أكبر معسكرات أنزاك في مصر، وكان يقع عند الأهرامات بالقرب من فندق مينا هاوس، حيث أقامت الفرقة الأسترالية الأولى، كما كان مقرا لفرق الإسعاف ووسائل النقل، وتم حفر مخابئ وسط خيامه وتغطيتها بأغطية واقية.
ومن المعسكرات المهمة، معسكر الزيتون، الذي أقامت فيه القوات النيوزيلندية في الشهر الأول لقدومها إلى مصر، وبعد ذلك تشكلت الفرقة الأسترالية النيوزيلندية الثانية. أما معسكر المعادي فقد خُصص لإقامة وتدريب ألوية سلاح الفرسان الأسترالي وخيوله. وكان معسكر التل الكبير من أكبر معسكرات أنزاك، حيث أقامت الفرقتان الأستراليتان الأولى والثانية، وبلغ عدد الجنود فيه حوالي 40 ألف جندي، أقاموا في خيام على امتداد ستة أميال (9.66 كيلومتر).
وفي الإسكندرية، كانت هناك عدة معسكرات، منها: معسكر الزهرية بالقرب من بحيرة مريوط، ومعسكر قلعة المكس على شاطئ البحر. وبالقرب من قناة السويس، أقيم معسكر المعسكر في الإسماعيلية. وعند جبل عتاقة، أقامت أنزاك معسكر السويس في صيف عام 1916.
في صباح 25 أبريل 1915، بدأت قوات «الأنزاك» هجومها للاستيلاء على شبه جزيرة غاليبولي لفتح مضيق الدردنيل أمام قوات الحلفاء. كان الهدف هو الاستيلاء على القسطنطينية، التي تُعرف حاليا باسم إسطنبول، وكانت حينها عاصمة الإمبراطورية العثمانية، حليفة ألمانيا. واجه الأنزاك مقاومة شرسة من الأتراك، وتعثرت خطتهم لإخراج تركيا من الحرب. على مدار الأشهر الثمانية التي تلت، سقط حوالي 8700 جندي أسترالي و2800 نيوزيلندي.
بالنسبة لقوات الحلفاء، فإن حملة غاليبولي اتسمت بالفشل، والجزء الوحيد الناجح هو الانسحاب. وتختلف التقديرات حول عدد قتلى المعركة، إلا أن غالبية المصادر تتحدث عن 45 ألف جندي على الأقل سقطوا من معسكر الحلفاء. وفي المقابل سقط 86 ألفا من المعسكر العثماني.
بعد الهزيمة في غاليبولي، ظلت وحدات من أنزاك في مصر، وأخرى في السفن في البحر، أو في موانئ إيجة. ولم تصل آخر الوحدات حتى نهاية فبراير 1916. وبعد ستة أسابيع وصلت السفن إلى موانئ الإسكندرية وبورسعيد محملة بالجنود والمدافع والحيوانات ووسائل النقل.
ومنذ الأول من يناير وحتى 31 مايو 1916، تم إنزال 10057 ضابطا، و256623 فردا من الرتب الأخرى، و49969 حصانا في مصر. وكان لا بد من إعادة تدريب المحاربين القدامى وزيادة عدد أنزاك، بضم 35 ألف جندي إضافي. وبدا ضروريا بعد حملة غاليبولي إعادة تنظيم أنزاك في فيلقين جديدين، وكان الفيلق الأول يضم الفرقة النيوزيلندية الثانية، والفرقتين الأسترالية الأولى والثانية، وكانت تضم بشكل أساسي قدامى المحاربين في غاليبولي. أما الفيلق الثاني فكان يضم الفرقة الأسترالية الرابعة والفرقة الأسترالية الخامسة، وكانت تضمان مجموعة أساسية من قدامى المحاربين في غاليبولي جنبا إلى جنب مع الجنود الجدد الوافدين من معسكرات التدريب المصرية، أو الجنود القادمين من أستراليا. وفي ديسمبر 1917، تم تغيير اسمه إلى ما عُرِف بالفيلق الثاني والعشرين البريطاني.
كما اشتركت القوات الأسترالية في الحرب العالمية الثانية في معركة العلمين في مصر، وهي أهم معركة في التاريخ الحديث، والتي حسمت الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء ضد دول المحور؛ إذ التقى على أرض العلمين 265 ألف جندي من الحلفاء حاربوا جيوشا من إيطاليا وألمانيا وغيرها من دول المحور. وكعادتها في الحروب الكبرى، كانت القوات الأسترالية تحارب دائما في الخطوط الأمامية.
ويعتبر كتاب انتصار غريب، الذي يحمل عنوان «القوات الأسترالية والنيوزيلندية في مصر 1914-1919: الحرب، الأماكن، الجنود، والشعب- دراسة تاريخية» (زهراء الشرق، 2025)، الدراسة الأولى من نوعها باللغة العربية التي تتناول دور القوات الأسترالية والنيوزيلندية في مصر خلال الحرب العالمية الأولى، حيث كانت مصر قاعدة استراتيجية مهمة للقوات البريطانية وحلفائها في المنطقة.
يناقش الكتاب عدة محاور، منها: «دور القوات الأسترالية والنيوزيلندية في مصر- التفاعل مع الشعب المصري- الأماكن التي شهدت وجود القوات- وتأثير الحرب على الجنود والشعب- دور مصر كقاعدة استراتيجية- دور النساء في الحرب».
يمثل الكتاب دراسة تاريخية شاملة تتناول دور القوات الأسترالية والنيوزيلندية في مصر خلال الحرب العالمية الأولى، حيث يعتبر مرجعا مهما لفهم العلاقة بين الجنود والشعب المصري، وكذلك تأثير الحرب على المنطقة.
وعبر مادة علمية ثرية بأسلوب سردي ممتع يجمع بين دقة المعلومة وجمال العرض، يشرح كتاب انتصار غريب الدور العسكري والاجتماعي لقوات «الأنزاك» خلال إقامتهم في مصر إبان الحرب العالمية الأولى. ولا يكتفي الكتاب بسرد المعارك، بل يغوص في العلاقة الفريدة التي جمعت بين الجنود، والأماكن، والشعب المصري، وكيف تفاعلت هذه الثقافات المختلفة في قلب الصحراء وتحت ظلال الأهرامات.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان