إعلان

تاريخ الشك

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الأحد 19 أبريل 2026

يحيا تاريخ الشك، وقد امتدت رحلته نحو ستة وعشرين قرنا، وكان واعيا بذاته معظم ذلك الزمن. من شيشرون إلى شوبنهاور، ومن فاني رايت إلى هوبرت هاريسون، ومن سقراط إلى فتغنشتاين، أحبت قصة تاريخ الشك الطويلة الغريبة أبطالها. يبدو حاسما أن يُعرف ذلك التاريخ، ولو لم يكن ذلك إلا لفهم مفكريه وشعرائه وهزلييه في سياقهم الصحيح.
ينبغي أن يكون البشر قادرين على التحدث لبعضهم بعضا عن الشك دون حاجة لإقامة جميع الحجج القديمة في كل مرة يبدأ فيها الحديث مجددا. وربما يتعيّن أن يعلم الشكاك والمؤمنون على حد سواء أن أبيقور ولوكريشيوس، وسفري أيوب والجامعة، وتعاليم بوذا كانت مصادر ثابتة على نحو لافت في تاريخ المروق. وكذلك كان في مقدورنا من مجمل تاريخ الشكوكية والشك معرفة العالم من الكارفاكا وسقراط وبيرون وسكستوس أمبيريكوس ومونتين وشارون وهيوم وبيل، وصولا إلى المتشككين الحديثين كافة.
يمثل كتاب «تاريخ الشك» (المركز القومي للترجمة، 2014) رحلة استكشافية بانورامية في تاريخ فكرة الشك، وما يدور حولها من مسائل شائكة ومعقدة تتضمن الإيمان، اليقين، الحقيقة والإنكار وغيرها كثير من هذه المفاهيم المتداخلة. يروي الكتاب الذي وضعته جينيفر مايكل هيكت قصة تستحق القراءة. من العصور القديمة إلى العصر الحديث، تنساب الأفكار وتتقاطع وتتداخل ما بين شك لا يرتوي بقانون وما بين يقين لا يداخله شك.
يسرد الكتاب تاريخ شخصيات متوترة، قلقة. فالأسئلة القلقة في عقل الشكاك، تعذب منظومته العقلية، وتجعله نهبا لقلق لاهوتي دائم، وتلك الإجابات الجاهزة والناجزة، التي ينجزها العقل الجمعي، لا تشكل معينا كبيرا لهؤلاء الشكاك المطحونين برحى أسئلة فتاكة. فمن عام 600 قبل الميلاد، وحتى العصور الحديثة، مرورا بالشكاك في الحضارات الإغريقية والرومانية والصينية، والديانات الهندوسية والبوذية واليهودية والمسيحية والإسلامية؛ تستخرج المؤلفة جثث الشكاك -من كان منهم ميتا- وأجسادهم -من كان منهم حيا-، لتناقش مفاهيم الشك وأبعاده.
في بداية دالة عنونت جينيفر مايكل هيكت مقدمة كتابها بـ«الشك ليس ظلا»، وتحت هذا العنوان كتبت تقول: «مثلما هو الإيمان، يتخذ الشك كثيرا من الأشكال المتباينة، من شكوكية الأقدمين إلى التجريبية العلمية الحديثة ومن الشك بآلهة متعددة إلى الشك بإله واحد، وإلى شك يعيد بعث الإيمان ويحييه، وشك هو كفر لا ريب فيه. هنالك أيضا احتفاءات بحالة الشك نفسها، من التشكك السقراطي إلى كوانات Koans الزن» (ص 9).
وفي خاتمة دالة هي الأخرى وتحت عنوان: «حبور الشك» كتبت هيكت: «يتمتع الشك على ما يبدو بقدرة توليد النظريات المفيدة للغاية وإشاعتها؛ إذ إننا نحتفظ اليوم في المذهب الذري والأنثروبولوجيا وعلم الكون والسياسة وعلم الأعصاب بمبادئ الشكاك. ليس الأمر مصادفة: فقد أراد الشكاك معرفة الطريقة التي يعمل فيه العالم وتوقعوا إيجاد أجوبة في العالم المحيط بهم. كان الشك مجرى دؤوبا وديناميا على نحو متفاوت للثقافة الإنسانية وعلم الكون، اقترن بأشخاص مبدعين من أمثال توماس إديسون وألبرت أينشتاين، فريدريك دوغلاس وإليزابيث كادي ستانتون، سقراط وسيغموند فرويد.. وعلى طول الخط، واكبت الأديان قصة الشك، وأرى أنها ستبقى كذلك على الدوام» (ص 831-832).
وإذا كان لهذه السلسلة العتيدة من الشكاك أن تنتظم حلقاتها، على مدار آلاف من السنين، فقد استطاعت جينيفر مايكل هيكت أن تعيد صقلها، وتضعها على الواجهة، تماما كما هي مصفوفة الإيمان معروضة على الواجهة أيضا؛ لغاية تقديمها إلى القارئ على هيئة حكاية مدهشة، شملت حيوات شكاك من مختلف الثقافات والعصور.
ففي الفصل الأول وتحت عنوان «ما الذي حدث لزيوس وهيرا؟»، تسرد تاريخ الشك في الحضارة اليونانية في مجملها. وبحسب هيكت فإن كل من «هوميروس وهزيود يعتبران مرجعي الثقافة العظيمين» (ص 34).
لكن الرؤى الإيمانية التي سادت الحضارة الإغريقية، بدأت تنهار، ومن الآن وصاعدا -سواء في الحضارة الإغريقية أو في غيرها من الحضارات- سيكون الشك من نصيب الفلاسفة على الأغلب، نظرا للطبيعة القلقة التي يعيشها الفيلسوف تجاه الحالة اللاهوتية في مواضعاتها السائدة. وهنا تعمل المؤلفة على سرد الأسماء -إضافة إلى آرائها- التي كان لها الدور الأبرز في إثارة منهج الشك، وصولا إلى العلامات البارزة في التاريخ الثقافي الإغريقي: سقراط، أفلاطون وأرسطو. وقد تآكلت النظرة الإيمانية السائدة يومذاك، من ثلاث طرق ابتداء، فقد «شرع البعض في مناقشة الكيفية التي يعمل بها الكون وفقها فعليا، وشرع غيرهم بمساءلة معقولية سير حياة الآلهة، ووضع آخرون عالما متكاملا آخر من المغزى لا يعتمد على الآلهة بأي طريقة ذات شأن» (ص 34).
أما في الفصل الأخير الذي عنونته جينيفر هيكت بـ«مبادئ اللا يقين» وسردت فيه حكاية الشك ابتداء من عام 1900م، فقد امتاز هذا القرن بحسب المؤلفة بـ«ذروة اللحظات الكوزموبوليتانية على مدى التاريخ: العصر الهليني وروما وسلالة تانغ وعصر بغداد الذهبي وعصر النهضة. هنالك شكوكية عميقة بصدد قدرتنا على معرفة العالم، على أن نقول أي شيء صحيح، على العثور على قيمة كونية» (ص 729- 730).
فمع بداية القرن الجديد، حدثت تطورات كبيرة في المسيرة الإيمانية البشرية؛ إذ برزت الدولة العلمانية بوصفها منتجا جديدا، تم بموجبه فصل الدين عن الدولة، وأصبح بالإمكان شرعنة الحركة الإلحادية في كثير من المجتمعات، التي خاضت على مدار قرون طويلة جدالا واسعا حول موقف الإنسان من الدين، والحرية التي ينبغي أن تطبع موقفا كهذا، بما يمنح الإنسان مساحة أوسع في التعامل مع الدين، بعيدا عن الإكراهات والاستلابات التي يمارسها العقل الجمعي على خيارات الإنسان الفردية. وبالتزامن مع ظهور الدولة العلمانية، وتبني بعض الدول خيار فصل الدين عن الدولة، ظهرت أسماء فكرية بارزة كانت لها آراء ومواقف من الدين، مثل ألبرت أينشتاين وتوماس إديسون وبرتراند راسل وسيغموند فرويد…إلخ. فـ«نحن في عصر اللا يقين الفكري وفي عصر العلم. نحن في عصر العلمانية الكوزموبوليتانية وعصر الإيمان المتحمس الذي يدرك الشك. إننا نتأثر بالالتباس الأخلاقي، ونتحرى فلسفات الحياة الهانئة ومختلف أشكال التأمل المعتمد على التسامي والعلاج. في أيامنا هذه، أصبحت جميع أشكال الشك التقليدية عابثة. هنالك لا يقين في المجتمع الحديث والفن الحديث وعلم الكون الحديث. أما في السياسة، فهنالك شك في المطلقات الأخلاقية، وكذلك لا يقين حول النسبوية الأخلاقية. لقد رعت المئة عام الأخيرة كل مظاهر تاريخ الشك العظيم، بحيث أعيد تعريف الشكوكية والعقلانية والنسبوية الثقافية ووجدت الممارسات التشكيكية القديمة جماهير جديدة. في لحظات كهذه اللحظة، وبالنسبة إلى أولئك الذين يحبون الشك، يبدو أن الثقافة لا تتماسك فقط بفعل التشارك في المعتقدات، بل كذلك بفعل التشارك في تكريس النفس للاستكشاف والدفاع عن الفضاء العلماني العام» (ص 827- 828).
ما بين القرن السادس قبل الميلاد والقرن العشرين، سيتعاظم الشك لدى ثقافات أخرى، بما يجعل منه سلسلة متصلة في كل العصور والحضارات. وإذا كان الشك -في عصور قديمة- قد اقترن ببعض الأسماء الفردية ذات الحضور الثقافي البارز في مجتمعاتها، فإن الشك بدأ يبرز بمنزلة قيمة جمعية في المجتمعات الحديثة، ولربما أمكن تفسير هذا الأمر في جانب من جوانبه، بصفته إرهاصا كامنا في خافية النفس الإنسانية منذ القدم، لكن الخوف من العقوبات، جعل هاجسا من أخطر الهواجس الإنسانية يتوارى عن الأنظار، ويستقر في أعماق اللاوعي، وقد كان لشكاك قتلوا أو مثل بهم أو عذبوا، أن يتحولوا إلى أمثلة للردع، فليس كل الناس كسقراط أو الحلاج. لكن مع التحولات الكبرى التي شهدتها البشرية مطلع القرن الماضي، والجدالات التي خيضت على مدار قرون طويلة، جعلت دمل الشك ينفجر على مستوى جمعي، ويطفو على السطح بشكل علني وواضح. فلقد تحول الشك الفردي القديم -وهذا ليس رأيا قطعيا، بقدر ما هو رأي جدلي- إلى شك جمعي في العصر الحديث.
إن الشك كما أشارت المؤلفة نفسها تجربة موغلة في التاريخ، فلكل ثقافة مواضعاتها لحالتها الإيمانية، ولكل شاك مواضعته للسؤال اللاهوتي في بعده الشكي، لناحية التصاق ثنائية (الإيمان/ الشك) بمشيمة واحدة، لا تفتأ تتوالد جدلا بين يقينيات المرء -أنى وجد- وشكوكياته. بل الشك جزء أصيل من التكوين المعرفي الإنساني، طالما أن ثمة إيمانا ما. ولربما كان لهذه الثنائية الاتصالية لحظة الجدل، الانفصالية لحظة (التضامن/ القلق) دور رئيسي، في حال الاشتغال عليها، وتعزيز حضورها في السياق المعرفي الإنساني، في نزع فتيل الخصام العريق بين المؤمنين والشكاك، لناحية فهم ما هم عليه، بصفته جزءا من حراك جدلي إنساني واحد.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان