إعلان

حرب الخطوط الحمراء.. عالمية "هُرمز" وبيت الطاعة الأمريكي!!!

إبراهيم علي

كتب - إبراهيم علي

07:00 م الخميس 26 مارس 2026

أولًا: بين "ولاعة" المنسي وفتيل المنطقة: استراتيجية الردع في عالم مضطرب

كلما تأملتُ مجريات الصراع الراهن في المنطقة "الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران"، والذي تجاوز بآثاره الحدود الإقليمية ليصطبغ بصبغة عالمية أربكت حسابات الاقتصاد والطاقة في كل شبر من المعمورة، لم يُغادر ذهني مشهد النهاية المحفور في ذاكرة السينما المصرية لفيلم "المنسي" تأليف وحيد حامد وإخراج شريف عرفة (1993).

في ذلك المشهد الحابس للأنفاس، يقف البطل البسيط "يوسف المنسي" (عادل إمام) ممسكًا بأصابع الديناميت في يد، بينما تُلقى إليه في اليد الأخرى "ولاعة" مشتعلة على وقع نداء "مصطفى متولي" الجهوري: "يا أخينا!".

هي لحظة فارقة، تختزل كيف يمكن لقرار واحد في توقيت حرج أن يُسقط هيبة الأقوياء ويفرض احترام المهمشين، مؤكدة أن موازين القوى ليست دومًا رهن الضخامة العسكرية، بل هي رهينة الشجاعة على حافة الانهيار.

اليوم، تبدو إيران في المشهد الجيوسياسي وكأنها "المنسي" تمامًا؛ قوة لم تُقرّ بها دوائر النفوذ التقليدية كلاعب مكافئ، لكنها باتت تملك مفاتيح تأثير قادرة على قلب الطاولة. فبإمساكها بصواريخ باليستية بعيدة المدى ومعلومات استخباراتية دقيقة عن أهداف استراتيجية — لم تتحصل على أغلبها ذاتيًا — وبوجودها في محيط خليجي يكتظ بآبار البترول وخزانات الوقود الضخمة، تصبح الحالة الإيرانية تجسيدًا حيًا لمشهد الفيلم: يد تقبض على الصواريخ والمفجرات، ويد أخرى غارقة في "السولار والبنزين والغاز" الذي يغذي العالم.

هذا التكوين الانفجاري يقلب موازين المعادلة التقليدية، ويضع القوى العظمى كـ "أمريكا وحليفتها إسرائيل" في "زاوية" ضيقة؛ حيث يدرك الجميع أن أي شرارة في هذا المستودع العالمي لن تكون مجرد معركة عسكرية، بل كارثة وجودية للاقتصاد الدولي. والأدهى من ذلك، أن فاتورة هذه الخسائر الضخمة لن تُسدد من خزائن القوى البعيدة، بل سيدفع ثمنها الباهظ دول محددة في المنطقة، شاءت الجغرافيا أن تضعها في واجهة "الحريق" المباشر.

إن "إلقاء الولاعة" في سياقنا المعاصر هو القرار المحفوف بالمخاطر الذي قد يشعل العالم أو يفرض "ردع الضرورة"، محولًا الجغرافيا من مساحة للتعاون إلى ساحة لتصفية الحسابات الكبرى.

ثانيًا: عالمية مضيق هرمز وديكتاتورية الجغرافيا

تتجلى "ديكتاتورية الجغرافيا" في أبهى صورها عند مضيق هرمز، هذا الشريان المائي الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترًا، لكنه يحكم قبضة الخناق على مفاصل الاقتصاد العالمي. فمن هذا الممر الاستراتيجي، الذي يربط المنتج في الخليج العربي بالمستهلك في المحيط الهندي والعالم، يتدفق يوميًا نحو 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات، ما يعادل 25% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، ونحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG). تعتمد القوى الصناعية الكبرى، لا سيما في آسيا (الصين، اليابان، كوريا الجنوبية)، على هذا الممر لتأمين أكثر من 80% من احتياجاتها الطاقوية، مما يحول أي اضطراب فيه إلى زلزال اقتصادي يتردد صداه في بورصات نيويورك ولندن.

لقد ظلّت الغطرسة الأمريكية لسنوات تتعامل مع التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق كنوع من "البروباغندا"، إلى أن اصطدمت بالواقع الميداني في الأسابيع الأربعة الأخيرة من الحرب. فبعد أن كان الهدف المعلن لواشنطن وتل أبيب هو "تصفية البرنامج النووي والصاروخي"، أعادت إدارة ترامب ترتيب قائمة أولوياتها بشكل درامي؛ ليصبح "تأمين حرية الملاحة في هرمز" هو الهدف الاستراتيجي الأول، بعدما أدركت أن الصواريخ الإيرانية ومن خلفها "ديكتاتورية الجغرافيا" القائمة على سيطرة طهران على السواحل الشمالية للمضيق، هي سلاح ردع يفوق في خطورته الرؤوس النووية.

وفي محاولة بائسة لفرض إرادتها بالقوة، فشلت واشنطن في حشد تحالف دولي وازن يشاركها مغامرة "فتح المضيق" عسكريًا، وسقطت مقترحاتها "الساذجة" بمرافقة الناقلات بقطع حربية أمام تكتيكات الحرب غير المتناظرة. والآن، ومع تزايد المؤشرات حول نية البيت الأبيض القيام بتدخل بري لاحتلال جزيرة خارك — الرئة النفطية لإيران — فإن واشنطن لا تفعل سوى تقديم أهداف بشرية سهلة من "المارينز" في بيئة جغرافية معادية، واضعة "النار على البنزين" في منطقة لا تحتمل شرارة واحدة. إن ما لا يدركه القابع في البيت الأبيض هو أن أمن الملاحة في هرمز "صناعة دبلوماسية" وتفاوضية بامتياز، وليست غنيمة عسكرية يمكن انتزاعها بالقوة دون إحراق المنطقة بأكملها.

ثالثًا: بيت الطاعة.. والبيت الأبيض!!

المتأمل بدقة في سيل التصريحات المتدفقة من ردهات البيت الأبيض، يكتشف دون عناء الجوهر الحقيقي للرغبة الأمريكية؛ فخلف ستار لغة "الديمقراطية" و"الاستقرار"، تبرز نبرة استعلائية صريحة.

الرئيس دونالد ترامب يكرر بوضوح: "نريد نظامًا إيرانيًا براغماتيًا". والبراغماتية هنا في القاموس الترامبي ليست سوى "النفعية" التي تُقايض المبادئ بالمكاسب، وتُخضع الأيديولوجيا لدفاتر الحسابات.

هو لا يريد نظامًا "عقائديًا" يمتلك مشروعًا أو فكرة يدافع عنها – تتفق أو تختلف معها –، بل يريد تاجرًا يجيد لغة الصفقات تحت سقف الشروط الأمريكية.

وتأتي تصريحات المتحدثة باسم البيت الأبيض لتكمل المشهد حين تقول: "نريد قائدًا إيرانيًا أكثر وُدًا ومرونة وتفهمًا". هذه الكلمات "الناعمة" ليست سوى توصيف دبلوماسي لنظام يراد له أن يكون "خاضعًا وخانعًا"، نظامًا يدخل "الحظيرة" الدولية طواعية، ويردد كلمات "نعم وحاضر" لكل ما يُملى عليه، دون اعتراض أو نقاش.

إنهم باختصار يبحثون عن إدخال طهران في "بيت الطاعة" الأمريكي، وهو الأمر الذي يصطدم بصلابة قناعات النظام الإيراني الذي يرى في إسرائيل "الشيطان الأعظم" وفي واشنطن "الظالم الأكبر والمفسد الأوحد".

هذا التضاد الوجودي يفسر بوضوح استراتيجية "جز الرؤوس" واغتيالات قيادات الصف الأول والثاني التي شنتها أمريكا وإسرائيل منذ اليوم الأول للحرب وحتى الأسابيع الأخيرة؛ فالهدف ليس مجرد إضعاف القوة العسكرية، بل هو "هدم المعبد" على رؤوس أصحابه لإسقاط النظام الذي يجرؤ على قول "لا"، واستبداله بآخر مبرمج على قول "نعم".

هي معركة "إخضاع الإرادة" التي لا تقل أهمية لديهم عن معركة "هرمز"، ومن قبلها معركتا "النووي والباليستي"؛ فما الفائدة من تدمير السلاح إذا لم يضمنوا استئناس من يضغط على الزناد؟

"وفي النهاية، يبقى السؤال: هل تنجح القوة في إسقاط الفكرة وإجبار ديكتاتورية الجغرافيا على دخول بيت الطاعة، أم أن "المنسي" سيظل ممسكًا بولاعته وتجاوز الخطوط الحمراء حتى تتغير قواعد اللعبة؟"

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان