إعلان

عالم الصمت.. وتاريخه

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الأحد 22 مارس 2026

يكاد القارئ العربي، رغم ترجمة أعمال ماكس بيكارد إلى معظم لغات العالم، يجهل تمامًا هذا الفيلسوف والكاتب اللاهوتي المهم الذي أُطلِق عليه اسم «ضمير أوروبا»، ناهيك عن غياب تام لأي ترجمة لكتبه ودراساته إلى العربية، وانعدام كلي لأيّ بحث، أو متابعة فكرية أو أدبية لأفكاره التي تشغل مكانة مهمة في اللاهوت المعاصر، والتي جعلت كُلًا من الروائي هيرمان هيسّه والشاعر ريلكه من بين أشد المحمّسين لكتاباته.

تنبع أهمية فكر الكاتب والفيلسوف السويسري-الألماني بيكارد من تفرّد الموضوعات التي عالجها، والقضايا الحساسة التي تناولها في كتبه ومقالاته وشرع بها منذ عام 1919، وتقوم الأفكار الرئيسية في أعمال بيكارد على وقوف الإنسان بين طرفي معادلة شاقة؛ «مسؤولية محتومة وإمكانية أن يختار».

وانطلاقًا من ذلك، اعتبر بيكارد كل ما لحق بالبشرية من مآسٍ تالية نتيجة منطقية لانعدام التوازن بين طرفي هذه المعادلة، وبسبب غياب الانسجام، سواء في العالم الخارجي الذي يعيش فيه الإنسان أو عالمه الداخلي.

ولهذا فإن الإنسان في العصر الحديث يعيش، بحسب تصوره، حالة تشرذم وهروب جماعي دائم، وقد رأى في الحروب، وصعود الديكتاتوريات وما تبعها من خراب وتدمير طاول الحضارة والإنسان، ومنها صعود الهتلرية إلى السلطة في ألمانيا، تجسيدًا حيًا لهذا الخلل في التوازن بين عالم الإنسان الداخلي وعالمه الظاهري.

في كتابه «فن الصمت» (دار التنوير، 2018)، الذي قدّم له جابريل مارسيل وترجمه قحطان سالم، يقول بيكارد:

«عندما نتوقف عن الكلام، فليس ما يحدث ببساطة الصمت. إنه أكثر من مجرد انصراف سلبي عن اللغة؛ من محض حالة يمكننا أن ننتجها بالإرادة. عندما تتوقف اللغة، يبدأ الصمت. لكنه لا يبدأ لأن اللغة تتوقف. غياب اللغة يجعل وجود الصمت ببساطة أكثر وضوحًا» (ص 23).

يرى بيكارد أن «الصمت هو ظاهرة مستقلة. ولهذا فإنه لا يتطابق مع تعطيل الكلام. إنه ليس مجرد ظرف سلبي يبدأ عندما يُزال الظرف الإيجابي؛ إنه على العكس كُلّ مستقل، يقتات على نفسه وخلالها. إنه خلّاق، مثلما هي اللغة خلّاقة؛ وهو مكوّن للمخلوقات الإنسانية مثلما هي اللغة تكوينية، لكن ليس بالدرجة نفسها. ينتمي الصمت إلى بنية الإنسان الأساسية» (ص 23).

من هذا المنطلق فإن «الصمت ليس مجرد شيء سلبي؛ إنه ليس مجرد غياب للكلام. إنه إيجابي، عالم كامل بذاته. الصمت يمتلك عظمة لأنه ببساطة موجود، لأنه يكون. وتلك هي عظمته، وجوده النقي» (ص 25).

وبحسب بيكارد، فإنه «لا يستطيع المرء أن يتصور عالمًا ليس فيه هناك شيء سوى اللغة والكلام، لكن يستطيع المرء أن يتخيّل عالمًا حيثما لا يكون هناك شيء إلا الصمت. يحتوي الصمت كل شيء في ذاته. إنه لا ينتظر أي شيء؛ إنه حاضر دائمًا وبصورة كلية في ذاته ويملأ تمامًا الحيز الذي يظهر فيه» (ص 25-26).

وربما يستوقفك مع رأي الكاتب؛ إذ يقول:

«يقف الصمت خارج عالم الربح والمنفعة؛ لا يمكن استغلاله من أجل الربح؛ لا يمكنك أن تحصل على أي شيء منه. إنه «غير منتج». لهذا اعتُبِر بلا قيمة. مع ذلك يوجد هناك عون وشفاء في الصمت أكثر من كل «الأشياء النافعة». يظهر الصمت غير المثمر والعبثي فجأة إلى جانب الهادف كليًا، ويخيفنا بواسطة لا قصديته ذاتها» (ص 27).

في فصلٍ تحت عنوان «الصمت كأصل للكلام»، يقول ماكس بيكارد:

«وُلِدَ الكلام من الصمت، من الصمت الكامل. كان كمال الصمت قد انفجر لو أنه لم يكن قادرًا على التدفق في كلام. يكون الكلام الذي ينبعث من الصمت كأنه مبرر بالصمت الذي يسبقه. إنه الروح التي تشرعن الكلام، لكن الصمت الذي يسبق الكلام هو الأم الحبلى التي حُررت من الكلام بواسطة نشاط الروح الخلاق. علامة هذا النشاط المبدع للروح هو الصمت الذي يسبق الكلام» (ص 31).

الشاهد أن الصمت يكشف عن نفسه في آلاف الأشكال التي يتعذر وصفها: سكون الفجر، في تطلع الأشجار الهادئة نحو السماء، في هبوط الليل الخفي، في التغير الصامت للفصول، في سقوط أشعة القمر، تترشح في الليل مثل مطر الصمت. الصمت هو عالم بحد ذاته، ومن عالم الصمت هذا يتعلم الكلام ليصوغ نفسه إلى عالم.

الكلام والصمت ينتميان إلى بعضهما. أن ترى الكلام من دون الصمت مثلما ترى حمقى شكسبير من دون صلابة أبطال شكسبير، أو مثلما ترى شهادة القديسين في لوحات القرون الوسطى من دون هيئاتهم. الكلام والصمت، البطل والأحمق، الشهيد وهيئته، تكون كلها وحدة (ص 42).

يقول بيكارد:

«يعيش الإنسان بين عالم الصمت الذي جاء منه وعالم الصمت الآخر الذي يذهب إليه – عالم الموت. تعيش اللغة البشرية أيضًا بين هذين العالمين للصمت وتصان بهما. لهذا السبب تملك اللغة صدى مضاعفًا: من المكان حيث جاءت ومن مكان الموت.

تستمد اللغة البراءة، البساطة، والأصالة من الصمت الذي أتت منه، لكن أجلها القصير، هشاشتها، وحقيقة أن اللغة لا تضاهي أبدًا الأشياء التي تصفها، تأتي من الصمت الثاني، من الموت.

اللغة في العالم الحديث بعيدة عن كلا عالمي الصمت. إنها تتدفق من الضجيج وتتلاشى في الضجيج. لم يعد الصمت اليوم عالمًا مستقلًا من نوعه؛ إنه ببساطة المكان الذي لم يتسرّب إليه الصخب بعد» (ص 45).

يذهب الفيلسوف السويسري-الألماني إلى أن الصمت يوقظ الحزن في الإنسان، لأنه يُذكّره بتلك الحالة التي لم تكن فيها قد وقعت بعد السقطة التي سبّبتها الكلمة. يجعل الصمت الإنسان يحن إلى تلك الحالة قبل سقطة الإنسان، ويجعله في الوقت نفسه قلقًا؛ لأنه في الصمت كما لو أن الكلمة قد تظهر، فجأة، في أي لحظة، ومع الكلمة تقع السقطة الأولى في الإثم ثانية (ص 51).

ويعتقد بيكارد أننا خسرنا في اللغة اليوم القيمة المرنة للألسنة القديمة. أصبحت الجملة ديناميكية؛ كل كلمة وكل جملة تستعجل نحو اللاحق. معمار اللغة مختلف: أُخفيت الأعمدة العمودية وحددت الجملة بواسطة حافز الاندفاع الأفقي إلى الأمام (ص 63).

ويدعو هذا الفيلسوف إلى تدريس اللغات القديمة في المدارس لأنها تكشف عن أصل اللغة في الصمت، سلطة الصمت على اللغة، والنفوذ الشافي للصمت على اللغة بوضوح أكبر جدًا من تلك الأشياء التي تم كشفها اليوم في لغتنا (ص 65).

بحسب بيكارد، ثمة شعوب تبدو راكدة في الصمت لقرون طويلة: هكذا هم الإسبان خلال الثلاثمئة عام الأخيرة. لم يكن الصمت الذي عاشوا فيه خاويًا، ولم يكن دليل عقم، بل كان بالأحرى علامة على قيمة الصمت السامية والمهمة بالنسبة للإسبان. اعتُبرت إسبانيا متخلفة ومحافظة، لأنها لم تساهم في الصخب العام وحركية العصر الحديث من خلال تصنيع اقتصادها. لكن إسبانيا لم تكن متخلفة أكثر من طفل يريد أن يبقى مع أمه، أو الذي يعود إلى أمه، وإلى الصمت. لدى إسبانيا والكثير من شعوب آسيا وإفريقيا صمت بأمن ليس من أجل نفسها فقط، بل من أجل البقية أيضًا (ص 89).

نطالع تحت عنوان «الأخيلة والصمت»:

«الأخيلة هي الصمت، لكنها تقول شيئًا في الصمت. إنها لغة صامتة. إنها محطة على الطريق بين الصمت والكلمة، إنها تقف على جبهات حيث يواجه الصمت والكلمة بعضهما بصورة أقرب من أي شيء آخر، لكن هذه المواجهة بينهما يتم حلها عبر الجمال.

الأخيلة والصور تُذكّر الإنسان بالحياة قبل مجيء اللغة؛ إنها تُحرّكه بشوق إلى تلك الحياة. لكن الجمالية الخالصة، الحُب الصرف للصور، هو خطر على الطبيعة الحقيقية للإنسان» (ص 93).

عبر اللغة فقط يصبح الإنسان أكثر من مجرد ظاهرة فيزيولوجية ويتخطى حدود جسده. إنه يصبح عبر اللغة قائمًا بثبات: ليس كائنًا زائلًا، عابرًا، بل وجودًا حقيقيًا متينًا وثابتًا، ويبقى متماسكًا بواسطة اللغة (ص 105).

يرى بيكارد أن الشعر ينبعث من الصمت ويحن إلى الصمت. الشعر العظيم هو موزاييك مرصع بالصمت. هذا لا يعني أن الشعر أكثر أهمية من اللغة. لا يستطيع الشاعر العظيم أن يملأ فضاء ثيمته كليًا بكلماته. إنه يترك حيزًا واضحًا، يتمكن شاعر آخر أن يتكلم فيه؛ إنه يجعل الموضوع خاصًا به لكنه لا يُبقيه بأكمله لنفسه (ص 144-145).

أخيرًا، ثمة علاقة بين الصمت والإيمان؛ إذ ينتمي حقل الإيمان وحقل الصمت إلى بعضهما البعض (ص 198). انظر إلى الصلاة نفسها وعلاقتها بالصمت والخشوع. في الصلاة يحرز الصمت معناه وكماله.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان