جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
كلما اقترب تشكيل كل حكومة مصرية جديدة تتصاعد التكهنات، وتتنافس المنصات الإعلامية في طرح أسماء متوقعة لرئيس الوزراء والوزراء. ويظل الحديث موجَّهًا نحو الأسماء أكثر من الاهتمام بطبيعة ودور تلك الحكومة. وطالما تركز الاهتمام على الأسماء فقط فلن يتحقق الهدف من تشكيل حكومة جديدة.
لقد عانى المواطن وما زال يعاني من سوء وشح الخدمات وارتفاع أثمانها وتدني جودتها، فضلًا عن الزيادات المضطردة في أسعار السلع الرئيسية وضعف فرص التشغيل، فضلًا عن عدم اليقين وارتباك السياسات. ورغم الحقائق السابقة لا يمكن القول إن الحكومة الحالية لم تبذل جهدًا لخفض معدلات التضخم أو السيطرة على الأسواق أو الاجتهاد في توفير السلع والخدمات الرئيسية، إلا أن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج ترضي المواطن البسيط، فطالما ظلت معاناة المواطن قائمة تظل هذه الجهود دون جدوى.
لهذه الأسباب مجتمعة من حقنا أن نحدد شكل وطبيعة الحكومة التي نريدها؟ فنحن نتوق إلى حكومة تملك فلسفة سياسية ورشادة في الحكم توجهها في تحديد الأولويات. نريد حكومة رشيقة وذات اختصاصات واضحة. بعبارة أخرى، نريد حكومة تدرك دورها في وضع وتنفيذ السياسات وإنفاذ القانون. لا نريد حكومة تنافس القطاع الخاص أو تكون ندًّا للمواطن. نريد حكومة يتماشى دورها مع الدور التنظيمي للدولة، وتتعاون مع بعضها البعض وتنسق سياساتها، الأمر الذي يتطلب تقليص عدد الوزارات وفقًا لدراسة (يتم أو تم إعدادها)، وتحديد واضح لاختصاصات الوزارات، واستحداث وزارات أو هيئات مستجيبة لقضايا واحتياجات العصر.
وطالما تم التوافق على أن دور الدولة المصرية يجب أن يكون تنظيميًا فلنا الحق أن نتساءل: "لماذا يكون لدينا وزارة اتصالات وهيئة لتنظيم مرفق الاتصالات؟ ولماذا يكون لدينا وزارة أوقاف وهيئة أوقاف؟" هذه البيروقراطية المتضخمة تكلف الدولة والمواطن موارد ووقتًا وجهدًا لا مردود له.
كما أننا نريد حكومة تعمل وفق برامج وليس وظائف. لماذا؟ لأنه لا توجد قضية أو ظاهرة لا تشترك فيها أكثر من وزارة وجهة حكومية! لذلك لا بد وأن تعمل الحكومة القادمة على استحقاقات وبرامج دستورية: التعليم / الصحة / الإنتاج / الديون / البيئة / الفقر! فنريد من الحكومة القادمة أن تعلن عن برامجها وليس برنامجها المتكرر ذو الـ ٢٠٠ صفحة! وهو ما سيحتم أن تعمل وفق موازنة البرامج والأداء بدلًا من موازنة كلاسيكية لا تعكس الإنجاز ولا أثر الإنجاز (موازنة إيرادات ونفقات)!
وحتى تتحقق مطالبنا في الحكومة الجديدة لا بد وأن تكون الحكومة القادمة حكومة سياسية لديها حس سياسي ومدركة للتحولات العالمية والمخاطر الدولية وتستجيب لها بدون تهويل أو تفريط. فالإشكالية لا تكمن في الأمور الفنية التي يمكن أن يعالجها الخبراء والمستشارون، ولكن في التوجهات السياسية للحكومة المصرية التي يجب أن تُحسم لصالح منظومة فكرية بعينها. فنحن نريد حكومة ترتبط برامجها بتوجهات سياسية محددة كالحفاظ على الاستقرار السياسي، وتحقيق التماسك الاجتماعي، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، وتضمن مشاركة المواطنين والجهات ذات الصلة في صناعة القرار، والانفتاح على العالم سياسيًا واقتصاديًا، والمشاركة في تشكيل قيمه.
أيضًا نريد حكومة تتحدث مع بعضها البعض وتنسق مع بعضها البعض، وليس جزرًا منعزلة أو تنافسًا بين الوزارات على قضايا بعينها.
نريد حكومة لديها فقه أولويات على أن تستند تلك الأولويات إلى مطالب واحتياجات مجتمعية، حيث سيظل ملفا التعليم والصحة أولوية أساسية على مر الأزمنة. لذلك يجب أن تصب مخرجات الملفات الأخرى (الزراعة والصناعة والاستثمار والتصدير على سبيل المثال) من أجل إحراز تقدم في هذين الملفين تحديدًا، لأنهما أساس نهضة وتقدم أي مجتمع.
وأخيرًا وليس آخرًا نريد حكومة تعتمد — إلى جانب مفهوم التنمية المستدامة رغم وجود إخفاقات بيئية غير محدودة — أن تعتمد اقتراب الأمن الإنساني: وأطعمناهم من جوع وآمناهم من خوف!