إعلان

وهم الشعب المختار

محمد جادالله

وهم الشعب المختار

محمد جادالله
07:00 م الإثنين 26 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

منذ أن زعم بنو إسرائيل أنهم «شعب الله المختار»، والعالم يتقلب على نار هذه الفكرة المسمومة التي سكنت وجدانهم حتى تحوّلت من «عقيدة» إلى «عقدة»، ومن «إيمان» إلى «استعلاء». تلك الفكرة التي وُلدت في رحم نصوصٍ توراتيةٍ محمّلة بالغرور القومي، جعلت من العلاقة مع الله صفقةً مغلقة لا يدخلها إلا من يحمل الختم الإسرائيلي. فهل حقًا كان الاصطفاء وعدًا إلهيًا؟ أم كان صناعة بشرية لتبرير السيطرة والدماء؟ هنا يا صديقي يبدأ السؤال الذي لا يحب كثيرون الاقتراب منه.

إن فكرة «الاختيار الإلهي» في الفكر اليهودي لا تُفهم إلا حين ندرك كيف تحوّلت التوراة من وحيٍ نازلٍ من السماء إلى نصٍّ محرَّفٍ يخدم مشروعًا أرضيًا. فالمعنى الإيماني الذي كان يُفترض أن يقود الإنسان إلى التواضع، انقلب إلى منطقٍ عنصريٍّ مقيتٍ يرى الآخرين مجرد «أدوات» لخدمة «شعب الله». وباسم هذا الاصطفاء الكاذب، وُلدت فكرة «التميّز المقدّس»، التي تزرع في النفس اليهودية يقينًا بأن كل ما تفعله مهما كان ظالمًا هو مشيئةٌ إلهية! تخيّل يا عزيزي حجم التحوّل حين يصبح الظلم عبادة.

لكن المتأمل في التاريخ يدرك أن هذا «الاختيار» لم يكن يومًا تكريمًا، بل تكليفًا، وأن الله لا يختار قومًا إلا ليبتليهم لا ليمجّدهم. فحين خانوا العهد ونقضوا الميثاق، سقط عنهم الوعد، كما يسقط الضوء عن الزجاج حين يتعفّن. ومع ذلك، أصرّ الحاخامات على تغذية الوهم القديم: أن الله قد كتب لهم النجاة الأبدية مهما فعلوا، وأن الأرض وُعدت لهم مهما سفكوا. وهكذا صار الدين عندهم «غطاءً للعقيدة القومية» بدل أن يكون حارسًا للأخلاق، وهنا يا صديقي يتحوّل الإيمان من نور إلى أداة.

إن التوراة كما نعرفها اليوم لم تعد كتابًا دينيًا خالصًا، بل أصبحت «نصًّا أيديولوجيًا» يعيد صياغة الله في صورة تخدم الفكرة العبرية. الله في التوراة لا يبدو الإله الرحيم، بل الإله المحابي، الذي يُحب قومًا دون سائر خلقه، ويمنحهم الغفران بلا توبة، والنصر بلا عدالة، والسلطان بلا استحقاق. هكذا تحوّل الإيمان إلى قومية، واللاهوت إلى مشروعٍ سياسيٍّ متخمٍ بالدم، وكأن السماء يا عزيزي صارت لافتة انتخابية.

ومن رحم هذه العقيدة المشوّهة، وُلدت إسرائيل الحديثة، دولةً تتغذّى من نصوصها القديمة كما يتغذّى الجنين من الحبل السري. كل حربٍ تخوضها، وكل اغتصابٍ لأرضٍ أو حقٍّ أو تاريخ، تجد له في التوراة «تبريرًا مقدسًا». ومن هنا نفهم أن الصهيونية ليست مجرد حركة سياسية، بل هي «تجسيد حديث لأسطورة الاصطفاء»، أُعيد بعثها بلسانٍ علمانيٍّ مزيّف، لكنها تحمل جوهر الخرافة الدينية ذاتها، وهنا تتضح الصورة يا صديقي بلا أقنعة.

ولأن الأسطورة لا تعيش إلا على حساب الحقيقة، فقد صنع الإسرائيليون لأنفسهم تاريخًا مزيّفًا يربطهم بأنبياء لم يعرفوهم، وأرضٍ لم يزرعوها، ورسالةٍ لم يحملوها. واستبدلوا «الإيمان بالعدل الإلهي» بـ «الإيمان بحقّهم الأزلي»، حتى صاروا يُقدّسون أنفسهم أكثر مما يُقدّسون الله. تلك هي النقطة الفاصلة بين العقيدة السماوية والعقيدة المصنوعة: الأولى تُطهّر القلب، والثانية تُلوّث الضمير، تأمّل معي يا عزيزي هذا الفرق الهائل.

وفي زمن التطبيع والتزييف الإعلامي، تُعاد هذه الخرافة بثوبٍ جديدٍ وأسماء براقة: «السلام»، «التعايش»، «التحالف». لكنها في جوهرها تكرار لذات العقيدة: «نحن المختارون، وأنتم أدوات في المسرح الإلهي». وما أشبه اليوم بالأمس، حين تُحوَّل النصوص إلى رخصةٍ للقتل، ويُختزل الله في شعارٍ سياسيٍّ يخدم الطغيان، وهنا يا صديقي يصبح التزييف فضيلة عند أصحابه.

إن ما يجب أن يُقال بوضوح هو أن الله لا يختار قومًا لأنهم أفضل، بل لأنهم أقدر على حمل الأمانة، فإذا خانوا، سقطوا. وكل دعوى اصطفاءٍ لا تُترجم إلى عدلٍ ورحمةٍ ومساواة، فهي خرافةٌ دنيوية لا علاقة لها بالله. فالإله الحقّ لا يعرف القومية ولا العرق، وإنما يعرف القلوب التي تخشع له، لا الأعلام التي تُرفع باسمه، وهذه يا عزيزي هي القاعدة التي غابت.

تلك هي الحقيقة التي حاولت التوراة أن تُخفيها تحت رماد الأسطورة: أن من يظن نفسه «مختارًا» على حساب الآخرين، إنما يعبد ذاته لا ربّه، ويُقدّس ترابه لا خالقه. وهنا يبدأ السؤال المرّ يا صديقي: هل ما زالوا شعب الله المختار؟ أم صاروا شعب «الاختيار الذاتي» الذي باع الله ليشتري نفسه؟

**

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]

إعلان

إعلان