• ثقافة القانون والتعليم

    أمينة خيري

    ثقافة القانون والتعليم

    أمينة خيري
    09:00 م الإثنين 30 سبتمبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا يكاد يخلو مجلس أو لقاء أو نقاش أو جدال من تطرق إلى العنصر البشري المصري الذي طاله الكثير من المشكلات والسمات غير المحمودة والبعيدة عن اللائقة. ولا تكاد تُستثنى فئة أو يسمو قطاع فوق مستوى الشبهات في السلوكيات والتصرفات التي حولت شوارعنا فوضى عارمة. فبدءًا بالمرور وكوارثه السلوكية وخروقاته القانونية، مرورًا بإشغالات الطريق الرهيبة والجهود العاتية التي يبذلها أصحاب المحلات والأكشاك والباعة الجوالون لكسر القوانين باحتلال الأرصفة، وانتهاء بسلوكياتنا المعروفة في حل خلافاتنا حيث سيادة العرف وغيبوبة القانون.

    ولأن القانون ليس مجرد تشريعات يتم سنها، ووزارات تحفل أدراجها بنصوصه، ومحاكم تحكم على أساسه، لكنه منظومة أخلاقية ينشأ عليها الصغار، ويشبون في أجوائها، ويكبرون ليكون القانون ومكانته جزءًا أصيلاً من تكوينهم، فإن وضعنا الراهن يؤكد أن أغلبنا يعتبر القانون مثله مثل الثلاجة أو الشنطة أو الأتوبيس. هو بالنسبة لنا مجرد بنيان جامد، قيل لنا إنه مهم وحيوي، وبيننا من امتحن فيه وكل من ذهب إلى مدرسة يعرف أن هناك شيء اسمه قانون، لكن تظل قيمته ومكانته ومعناه والغرض منه غائبة تمامًا عن حياتنا.

    والأدهى من ذلك أن بيننا كثيرين ممن يعتبرون كسر القانون معيار النجاح والفلاح. اشترِ تروسيكل ولا ترخصه، اخطف "كام متر" بالعربية عكس الاتجاه، وفر مجهودك في الفصل المدرسي للسنتر حيث الدرس الخصوصي، امزج البضاعة الجديدة بالقديمة الفاسدة لتتخلص منها دون خسائر، خذ وصلة كهرباء من عمود إنارة الشارع ووفر في فاتورة الكهرباء، لف اليوتيرن عكس الاتجاه، امضِ ساعات العمل إما في الصلاة أو تناول الإفطار أو النميمة، شغل القرآن الكريم صباحًا وأغاني المهرجانات مساءً بعلو الصوت، لا تشغل أنوار سيارتك ليلاً وأنت على الطريق، قيد تاريخ ميلاد ابنتك في غير موعده لتضبط سن التنسيق المدرسي، دخن سيجارة في المواصلات العامة أو في المنشأة الحكومية، لَكلِك تشطيب الدهان والسباكة، طلسأ الكشف على المريض، اغسل سيارتك من الحنفية العمومية المخصصة للحريق، امتنع عن تشغيل عداد التاكسي، اركن سيارتك صف ثاني، اعتبر الهاتف المحمول الذي أهداك إياه مواطن في مكان عملك هدية؛ عملاً بمبدأ "تهادوا تحابوا"، وهلمّ جرّا.

    وجرى العرف ألا يعتبر كل ما سبق خرقًا للقانون أو كسرًا للنظام. فكل ما سبق يتم باسم حجج ومبررات أخرى تتراوح بين "على قد فلوسهم" و"إيه المشكلة يعني؟" و"وهي جت عليّ" و"آه يا بلد بتظلمي الفقير اللي مالوش ضهر".

    وعلينا أن نتوقف عند مسألة "الظهر" التي تشكل وتدًا من أوتاد الثقافة المصرية. ففكرة "الظهر" تقف في مواجهة القانون بشكل عاتٍ، ولكن غير مباشر. فأنت تقود سيارتك دون رخصة سارية، أو دون لوحة أرقام وفي وقت الحساب يمد لك "الظهر" يد الخلاص.

    تتخرج في الكلية ويحول مجموعك دون تعيينك معيدًا، لكن "الظهر" يحقق لك حلمك. تسأل المعلم لائمًا عن أسباب عدم الشرح في الفصل، فيجيبك بأن المدرسة مجرد واجهة لكن الجميع يأخذ دروسًا خصوصية.

    تلومه أكثر وتسأله هل العملية التعليمية دروس ومجموع فقط، أم أن هناك جانبًا تربويًا بات منعدمًا؟ فيبادرك مهاجمًا: كل المدرسين بيدوا دروس. أمّال هنعيش إزاي؟!

    غاية القول أنه لا بد من كسر دائرة التحلل الفكري والثقافي للعنصر البشري، وهذا لن يتم إلا عبر تشابك التعليم والتربية والتنشئة والفن. ولو استمر ترك المجال فارغًا، فسيستمر تجار الدين من جهة ومدمنو العشوائية من جهة أخرى في تكسير عظام العنصر البشري المصري.

    إعلان

    إعلان

    إعلان