•  صديقي الذي لم ينحنِ أبداً

    د. أحمد عمر

    صديقي الذي لم ينحنِ أبداً

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 29 سبتمبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    البطولة الروحية هي مفتاح شخصية عظماء الإنسانية في كل زمان ومكان، وهي التي منحتهم القوة على اجتياز ليالي الشك والحيرة والقلق، وعذابات اليأس، ومشاق البحث عن الطريق الصحيح الذي يجعلهم يرتقون فوق كل أشكال القبح وضيق الأفق والجهل والتعصب المُحيط بهم، ليصنعوا للبشر آفاقاً جديدة للحياة أكثر جمالاً ونبلاً وإنسانية.

    والبطولة الروحية هي التي تجعلنا نتأمل بإجلال سيرة حياة وأعمال هؤلاء العظماء، لنقف على جوانب سمو عقولهم وأرواحهم، وكيف حرصوا على أن يتركوا خلفهم أثراً مادياً أو معنوياً يَدل عليهم، ويحمل صوتهم وخلاصة رؤيتهم وتجربتهم للأجيال المقبلة، لكي نراها ونقرأها ونتأملها من بعدهم، ونقول بحب شديد: كم أنت جميل أيها الإنسان! أحياناً.

    وصديقي الذي أتحدث عنه اليوم، الذي اتسمت حياته بالعزة، والذي لم ينحنِ أبداً، وكان يحمل في قلبه وروحه أجنحة، الأديب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، صاحب الأعمال الأدبية الخالدة مثل "المسيح يُصلب من جديد" و"الإغواء الأخير للمسيح" و"الإخوة الأعداء" و"الأوديسة.. التكملة الحديثة"، هو أحد هؤلاء الأبطال الروحيين العظام؛ لذلك تُلهمنا قراءة سيرته الذاتية الفكرية التي حملت عنوان "تقرير إلى غريكو" قيمًا ومثلًا فكرية وإنسانية عظيمة وكثيرة.

    تقول عنه زوجته هيلين في المقدمة التي كتبتها لتلك السيرة بعد رحيله عام 1957: "كانت حياته الفعلية مليئة بالمادة والألم والفرح والعذاب، وبكلمة واحدة كانت حياته مليئة بالعزة، ولم ينحن أبدًا".

    وتقول أيضاً: "في السنوات الثلاثة والثلاثين التي قضيتها إلى جانبه، لا أذكر أني خجلت من تصرف واحد من جانبه، كان نقياً دون مكر، وبريئاً وعذباً بلا حدود مع الآخرين، وقاسياً مع نفسه فقط. وحين ينسحب إلى عزلته فإنه كان يفعل ذلك لإحساسه أن الأعمال المطلوبة منه كثيرة، وأن ساعاته محدودة".

    أما هو، فقد قال عن ذاته وحياته وأعماله: "إن حياتي هي رحلة إنسان يحمل قلبه في فمه، وهو يصعد جبلَ مصيرِه الوعر والقاسي. إن روحي كلها صرخة، وأعمالي كلها تعقيب على هذه الصرخة".

    أما سر قسوته مع نفسه، فهو إحساسه بأن العمر- مهما طال- قصير، وساعاته محدودة، ولهذا كان نيكوس كازانتزاكيس وقد بلغ عمره الرابعة والسبعين يطلب من ربه أن يمد في عمره عشر سنوات أخرى، لكي يُكمل فيها عمله، ويقول ما كان عليه أن يقول، ويفرغ نفسه، ليأتيه الموت حين يأتي بعد ذلك، فلا يأخذ منه إلا كيسا من العظام.

    وفي هذا المعنى تقول زوجته هيلين: "لقد اعتاد أن يقول لي وعيناه الفاحمتان المدورتان غارقتان في الظلمة، ومليئتان بالدموع: أحس أني سأفعل ما يتحدث عنه برجسون (فيلسوف فرنسي شهير)، وهو الذهاب إلى ناصية الشارع، ومد يدي للتسول من العابرين: زكاة يا إخوان، ربع ساعة من كل منكم، بما يكفي فقط لإنهاء عملي، وبعدها فليأت ملك الموت كيرون ... وجاء كيرون، وحصد روح نيكوس في زهرة شبابه.

    نعم- أيها القارئ العزيز- لا تضحك، فقد كان ذلك هو الوقت المناسب للازدهار والإثمار بالنسبة لذلك الرجل الذي أحببته، والذي أحبك، صديقك نيكوس كازانتزاكيس".

    وفصل المقال أن هذه السيرة الفكرية الذاتية للأديب اليوناني نيكوس الراحل كازانتزاكيس، والتي ترجمها للغة العربية الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان- هي عمل أدبي وفكري من طراز فريد، وميراث للإنسانية، وجديرة بالقراءة والتأمل؛ لأنها تُعلمنا الكثير من القيم والمثل والأفكار ودروس الحياة الراقية.

    ولعل أهم ما تُعلمنا إياه هو أن الصعوبات والتحديات التي تُواجهنا في الحياة هي الدافع والمحفز لمواصلة السير والنجاح والصعود إلى القمة، وأن العمر قصير جداُ، والحياة رحلة ارتقاء وصعود مستمر، وهي بدون عمل وإنجاز وخدمة وإضافة للإنسانية حياة مُهدرة، لا قيمة لها.

    إعلان

    إعلان

    إعلان