"مسافر منتصف الليل".. بـ"الجونة" السينمائي، هروبًا من القتل

د. أمــل الجمل

"مسافر منتصف الليل".. بـ"الجونة" السينمائي، هروبًا من القتل

د. أمل الجمل
09:11 م الجمعة 27 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ينتمي فيلم "مسافر منتصف الليل" لسينما الحقيقة (verite). عرض الفيلم بمهرجان "الجونة" السينمائي الثالث الممتد من ١٩-٢٧ سبتمبر ضمن البرنامج الرسمي ولكن خارج المسابقة. إنه شريط سينمائي يجمع بين خطورة المضمون وبساطة التكنولوجيا.

تم تصويره بثلاثة أجهزة هواتف محمولة. عبر عدسة الهاتف المحمول يضطر المخرج إلى أن يستغني عن ضرورات فنية مثل ضبط الضوء والتحكم في مقداره، أو الاستغناء عن جماليات بصرية يُحققها التحكم في الصورة. وقد أُنجز الفيلم بفضل مساندة "إيميلي ماهدافيان" التي كانت تستقبل المواد المصورة وتحتفظ بها في أمريكا. إنها كاتبة السيناريو والقائمة بأعمال المونتاج، والمشاركة بدور أساسي في الإنتاج، فلولا تواصلها مع أبطال الفيلم لما تم إنقاذ المواد المصورة أولا بأول، خصوصاً عندما امتلأت ذاكرة الهواتف وكان لا بدّ من تفريغها لتصوير مواد جديدة، كذلك كانت المواد ستتعرض للخطر وربما الإعدام عندما تمت مصادرة هواتف الأسرة المحمولة، فلو لم يكن المخرج يتخلص من المواد المصورة أولا بأول في مكان آمن لما أُنجز الفيلم، ولما خرجت التجربة إلى حيز النور.

إنه فيلم ذاتي، يحمل توقيع المخرج الأفغاني حسن فاضيلي، عن رحلة هروبه من القتل هو وأسرته المكونة من ابنتيه الصغيرتين نرجس وزهرة، وزوجته فاطمة حسيني مخرجة التي صنع عنها الزوج فيلماً بعنوان: "زوجة السيد فاضيلي".

يبدأ الهروب الطويل حين يعلم فاضيلي بأن طالبان قد أهدرت دمه، وأعلنت عن مكافأة لمن يأتي برأسه، فصارت حياة عائلته مُهددة يحاصرها الخطر. كل هذا بسبب فيلم وثائقي أخرجه وتمت إذاعته على تلفاز الدولة. قُتل بطل الفيلم الذي صنعه، والصديق الذي سرب خبر إهدار دم المخرج الذي يقول: "لم نكن نعرف ما الذي يجب أن نفعله؟ أو كيف نتصرف؟ وإلى أين نذهب؟ كنا مجبرين على الهروب".

استمرت محاولات الإفلات من القتل ثلاث سنوات كما نراها بالفيلم الذي قام بتصويره أفراد العائلة بهواتفهم الجوالة. كان حسن يصور وزوجته، تبادلت ابنتاه المواقع وصورتا بعض المشاهد. ظل حسن يُصور يوميات الرحلة بكل تفاصيلها، ربما باستثناء حادث اختفاء ابنته الذي جعله يصف السينما بأنها "قذرة"، لماذا؟؛ لأنه عندما تَصوّر موت أو اختطاف ابنته - عند غيابها المفاجئ - فجأة وجد عقله يتخيل ويفكر كيف سيُصورها عندما يعثر عليها ملقاة على الأرض، وفي تلك اللحظة كما يقول هو أنه: "كره نفسه وكره السينما".

ثلاث سنوات قضاها المخرج وعائلته على الطرقات المختلفة وفي مخيمات اللاجئين، عبروا الأراضي الشاسعة المحفوفة بالمخاطر سواء من بلده أفغانستان إلى طاجكستان، ثم العودة لبلاده مرة أخرى عندما رفضت الأخيرة منحه تأشيرة البقاء، ولم ينجح أصدقاؤه هناك في مساعدته فأُرغم على العودة لدياره، تمهيدا للتخطيط للهروب الكبير مروراً بحدود إيران وتركيا وبلغاريا وصولاً لصربيا ثم المجر، حيث أصبحت إقامتهم محددة، ولم يكن مسموحًا لهم التواصل مع الخارج أو الخروج من المعسكر، وذلك في ترقب لقرار السلطات الذي طال لأشهر، بينما كان محكومًا عليهم بالانتظار الطويل في مكان أشبه بالسجن المُحاط بالأسوار العالية الشائكة.

أثناء رحلتهم واجهوا أشكالاً من التعصب الأعمى العنيف ضد المهاجرين، على أيدي البوليس ورجال الأمن، والمتعصبين، إنه يُظهر بالصوت والصورة الواضحة كيف أن أحد رجال البوليس في تلك الدول الأوروبية يتعنت ويرفض مساعدة هؤلاء الأسر المُروَّعة، وقد صورهم المخرج بوضوح بعدسته من دون أن يستخدم أي مؤثرات أو خدع لإخفاء الملامح، بل تركها لتأكيد الهوية البوليسية الأمنية، وذلك بعكس ما فعل مع كثير من الشخصيات الأخرى التي ظهرت بالفيلم، فقد أخفيت عيونها في المونتاج مما جهَّل الهوية، بالطبع باستثناء أفراد عائلته.

خلال محطات التوقف على الطريق، وفي المخيمات ومناطق الإيواء المتهالكة التي تشبه الثكنات، سنرى إلى أي حد كانت الأماكن تفتقد للمعيشة الإنسانية، كيف تنقصها الخصوصية والنظافة، وكيف تتسبب حشرات البق والناموس في تشويه وجه وأيدي وأذرع الابنة الصغرى، سنرى الفزع والترويع على وجه الطفلة وهي تحكي عن تحرش وهجوم المتعصبين والبلطجية ضدهم وضد والدها، ما يجعلنا نتساءل: كيف يُمكن لرجل مهما كان متعصبًا - من بين عديدين في بلغاريا، كما في بلدان أخرى عديدة - أن يضرب طفلة لم تتجاوز التاسعة من العمر بدون سبب سوى أنها لاجئة تبحث عن مأوى آمن، فهل يمكن أن يُحدثنا طبيب نفسي عن آثار ذلك؟ وهل بعد سنوات الانتظار توافق إحدى دول أوروبا أن تمنحهم ملاذاً آمناً بعد أن تحول فيلم سينمائي إلى مبرر لقتل أناس مسالمين؟!

بالفيلم مناطق عديدة تعبر عن الثِقَل الاجتماعي والسياسي الذي يتكشف تدريجيا خلال رحلة البحث المأساوي. هناك أيضاً لقطات لها دلالتها النفسية بسبب الزي الذي تفرضه طالبان على النساء. لكن الجميل في الأمر أن الكاميرا لم تكتف بأن تكون شاهد عيان فقط على لحظات الضعف واليأس والخطر، لكنها أيضا لم تغفل أن تسجل اللحظات النادرة من الحيوية والرقة والفرح، وبعض لحظات الحنان لهذه العائلة الجذابة.

إعلان

إعلان