الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٩)

د. غادة موسى

الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٩)

د. غادة موسى
09:00 م السبت 31 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في الجزء الثامن، تم تناول العقلانية والفردية والتقليد بوصفها خصائص الحداثة الأوروبية الغربية. ومن ثم يثور التساؤل حول ما إذا كانت هذه الخصائص متوافرة أو قد توافرت في حضارات المشرق- تاريخيا- قبل أو أثناء تطورها في الحضارة الغربية، كما يثور تساؤل آخر حول ما إذا كان اعتناقها سيوفر لنا الشروط التي من خلالها يمكن أن تتحقق الحداثة العربية المشرقية، والتي ستشكل النواة والركيزة لمشروع إصلاحي فكري!

وهنا، قد أخرج عن الخط المنهجي لأستاذنا الدكتور طه حسين في رؤيته لبناء المستقبل ثقافيا بإضفاء طابع أوروبي عليه، حتى نكون- على حد قوله- شركاء متساوين في الحضارة مع الأوروبيين.
وقد ذهب الدكتور طه حسين إلى أبعد من ذلك؛ من حيث وجوب اعتبار مصر بلدا ثقافيا غربيا أوروبيا. وفي هذا السياق أشار إلى أولى خصائص الحداثة الأوروبية وهي العقلانية؛ إذ يجب الاحتكام إلى العقل والأخذ بما هو عقلاني كما أنتجته الحضارة الغربية وثقافتها. وهو ما دعا معارضيه إلى اتهامه بالنقل والتغريب.
---
إن محاولة البحث في الفكر العربي عن وجود خصائص الحداثة الغربية الأوروبية ذاتها ليس هدفه وضع الحداثة الغربية موضع المساءلة؛ فهذا خارج نطاق بحثنا. وأحسب أننا ونحن نبحث، وندعم وجود العقلانية والعلمية في الفكر العربي وفي ممارسات البنى الاجتماعية بأشكالها المختلفة- لا نحاول استحداث حداثة غربية في المشرق العربي ولا البحث بشكل قصدي عن ظروف موضوعية أنتجت عقلانية وعلمية وفردية مشابهة لتلك الظروف التي سادت أوروبا الغربية تاريخيا. كما لا نريد أيضا أن نعيد إنتاج الفصام مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي التاريخي الحي.

ولكن.. العقل في جوهره إنساني الملامح والآفاق، وما أنتجته الحضارة الإنسانية على مدار التراث الإنساني في المشرق والمغرب- آخذا في الاعتبار اللحظات التاريخية المتباينة- توافر فيه التجربة والاستدلال والثبات والتوازن بين الفكر والواقع. وحضارات بابل وآشور وسومر والحضارة الفرعونية بكل منتجاتها من علوم إنسانية وطبيعية تؤكد على الفكر العقلاني التقني الذي توافق مع الأفكار الروحية. فالحضارات السابق ذكرها في استباقيتها ثم مواكبتها الحضارة الهيلينستية أنتجت فكرا تقنيا، في ظل أفكار روحية لها طابع خرافي قبل أن تتعرف الإنسانية على الديانات التوحيدية.
بعبارة أخرى، تمسكت تلك الحضارات بتراثها الروحي، ولم يمنعها ذلك من التطور التقني والعقلاني. فلا يمكن إنكار- وهو ما أكدته كتابات "جون هيرست" في الموجز في تاريخ أوروبا- أن الفلسفة والفلك والرياضيات هي علوم أنتجها العقل الشرقي وانتقلت من خلال التجارة والطلاب إلى الغرب، ثم أضاف إليها، فعادت، وانتقلت مرة أخرى إلى المشرق. وهذا التزاوج بين الحضارات المشرقية والهيلينستية والرومانية ظل قرونا عديدة. فلم يتم تجاوز الماضي التراثي في أي من تلك الحضارات، باعتباره ماضيا متخلفا غير مساير للحياة وللواقع.
---
وما سبق يخبرنا بنتيجة مفادها أن البناء العضوي لأي مجتمع يسهم في عمل العقل وإنتاج عقلاني، وذلك من خلال سلوك المجتمع الذي يتأثر بالفلسفة والأمور الروحانية، سواء كانت دينية أو خرافية ما وراء الطبيعة.
ومن ثم لا يمكن القول بانتقاء وجود عقلانية وتفكير عقلاني في المشرق بحضاراته المختلفة وفي تفاعلاته مع الحضارات الأخرى المجاورة على نحو ما تم ذكره.

ونسوق من الأدلة كتابات ومخطوطات ما زالت تدرس في الجامعات الغربية العريقة، ومنها تقنين "حمورابي" ومحمد بن موسى الخوارزمي "كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة" والبيرونى "الطبيعيات" و"مروج الذهب" للمسعودي، وابن كثير"البداية والنهاية"، والشاهنامة للفردوسي، ومخطوطات البحر الميت، وإخوان الصفا... إلخ.
أي أننا في بحثنا عن خصائص الحداثة ومتطلبات الإصلاح الفكري في حاجة إلى ترك حقل التحليل الأوروبي والانتقال إلى حقل تحليل هذه الخصائص بأسمائها أو بأشكالها في مجتمعات المشرق القديم والمعاصر، وهو ما سيتم استكماله في الجزء العاشر.

إعلان

إعلان

إعلان