فضيحة فيسبوك- كامبريدج أناليتيكا

د. عبد الهادى محمد عبد الهادى

فضيحة فيسبوك- كامبريدج أناليتيكا

د. عبد الهادى محمد عبد الهادى
09:00 م الإثنين 22 يوليه 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

فيسبوك يعرف عنك الكثير، وهذا "الكثير" أصبح ملكا لشركات خاصة تعرف كيف تستخدمه كمادة للتجارة وكسلعة في سوق السياسة الدولية. إنه عصر المعلومات الكبيرة. عصر انتهاء الخصوصية!

في صباح يوم 17 مارس من العام الماضي كتب محلل البيانات الكندي "كريستوفر وايلي" في حسابه على "تويتر": "من هنا نبدأ" (Here we go)، وبعد ساعات نشرت صحيفتا "الأوبزرفر"- البريطانية و"نيويورك تايمز"- الأمريكية قصة سرقة البيانات الشخصية للملايين من مستخدمي موقع "فيسبوك".

تضمنت البيانات المسروقة أسماء المستخدمين، وأرقام هواتفهم، وكلمات المرور، وقوائم الأصدقاء، وجهات الاتصال، وقوائم البريد الإلكتروني، وكذلك موضوعاتك المفضلة، وكم تستغرق من الوقت في قراءة موضوع ما، وأين ومع من تفضل أن تذهب في عطلة نهاية الأسبوع، واستخدام تلك البيانات في تخطيط الحملات السياسية وفقا لملفاتهم في الشبكات الاجتماعية، والتأثير على آراء الناخبين في الانتخابات الأمريكية السابقة، واستطلاع الرأي الخاص بالاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

الأطراف الضالعة في الفضيحة هي: شركة الاستشارات السياسية البريطانية "كامبريدج أناليتيكا"، ومديرها "ألكساندر نيكس"، وهي شركة تابعة لمجموعة شركات تسمي "مختبرات الاتصالات الاستراتيجية" "SCL ، و"ستيف بانون" المستشار السابق للرئيس الأميركي "دونالد ترامب" وأحد مديري حملته الانتخابية، والملياردير "روبرت ميرسر" أحد كبار داعمي الرئيس وممولي حملته الانتخابية، وحزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP)، ورئيسه "نايجل فاراج"، والباحث بجامعة كامبريدج "ألكساندر كوجان"، وثلاث شركات استخبارات إسرائيلية خاصة هي "بلاك كيوب" و "بي إس وآي" و "أو إن إس"، وشركة الاستشارات السياسية الكندية "أجريجيت آي كيو"، وشركة "فيسبوك" ومؤسسها ومديرها "مارك زوكيربرج".

في اليوم التالي أوقفت إدارة "فيسبوك" حسابات كل من "كريستوفر وايلي"، و"ألكسندر كوجان"، وشركة الاستشارات السياسية البريطانية "كامبريدج أناليتيكا"، ولم تمضِ أسابيع حتى أغلقت الشركة أبوابها، لكن بدا للكثيرين أن ما نشر عن تفاصيل القضية هو قليل جدا، وليس أكثر من رأس جبل الجليد الذي يطفو فوق سطح الأخبار، ويخفي حوله ما لا يريدون لنا أن نعرفه.

وتدريجيا بدأ يظهر أن الفضيحة مدوية، وعابرة للدول، وتطال شركات وأحزاب وأجهزة استخبارات وحكومات في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وكندا، وإسرائيل!

طلب الكونجرس الأمريكي ومجلس العموم البريطاني الاستماع لإفادة كل من "وايلى" و"زوكيربرج" حول ملابسات القضية، وبدأت تحقيقات موسعة في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي حول القضية، في البداية قالت "فيسبوك" إن البيانات التي تسربت كانت بعلم المستخدمين، وأن "ألكساندر كوجان"- الباحث في جامعة كامبريدج، أحد مطوري تطبيقات فيسبوك- قد أبلغهم أن الغرض من جمع البيانات هو البحث العلمي، واتهمته فيسبوك بتسريب البيانات لشركة "كامبريدج أناليتيكا" التي كان يعمل معها، ورغم أن الشركة أبلغت فيسبوك أنها حذفت تلك البيانات من على خوادمها، إلا أنها عادت بعد فترة لتعترف أنه ليس لديها بيانات سوى لـ30 مليون مستخدم فقط.

وكشفت تقارير صحفية أن فيسبوك كانت تعلم باستخدام "كامبريدج أناليتيكا" لهذه البيانات في تقديم استشارات سياسية والتخطيط لحملات انتخابية داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تتخذ أي إجراء حيال ذلك.

بعد أسابيع، كشف خبير أمان أن تطبيقًا من تطبيقات فيسبوك- يسمي (Nametests)- قد استخدم في قرصنة بيانات أكثر من 120 مليون حساب مستخدم، وزادت مخاوف وقلق مستخدمي فيسبوك، ومستخدمي "واتس آب" و"إنستجرام" المملوكتين لفيسبوك- بشأن سرقة بياناتهم وحساباتهم المصرفية ومراسلاتهم الخاصة.

في النهاية، اضطرت "فيسبوك" للاعتراف بما أنكرته في البداية، وقالت إن بيانات 87 مليون حساب مستخدم قد اخترقت، وتم تبادلها، واعتذرت لمستخدميها، وطمأنتهم أن مراسلاتهم الشخصية وأرقام حساباتهم في أمان، ووعدت بالعمل على ضمان عدم تكرار ذلك، وذهب مؤسس الشركة إلى إحدى لجان الكونجرس، مرتين، ليجيب عن أسئلة النواب، ثم قام بجولة في أوروبا ظاهرها الاعتذار وباطنها الوصول لتسوية مناسبة.

أغلق مئات الآلاف حساباتهم على منصة التواصل فيسبوك، وخسرت الشركة حوالي 4% من إيراداتها السنوية، ومنذ أيام حكم مفوض المعلومات البريطاني في "لندن" على الشركة بغرامة 500 ألف جنية إسترليني بتهمة تسريب بيانات المستخدمين، وهي أقصي غرامة يمكن أن تفرضها هيئة تنظيم البيانات في المملكة المتحدة.

وقبل أيام قدم المدعي العام في العاصمة الأمريكية دعوي لمقاضاة الشركة بسبب دورها في فضيحة سرقة البيانات، ويتوقع أن تواجه الشركة مزيدا من القضايا والغرامات والمتاعب في الفترة القادمة.

لكن.. من هو "كريستوفر وايلي" مفجر القضية؟

وكيف حصل على هذه المعلومات؟

وما دوافعه لذلك؟

يصفه الصحفيون الذين التقوا به بأنه ذكي، ومرح، وسريع الغضب، ويقول ألفاظا نابية، لكنه قارئ نهِم، يفهم في السياسة، وبارع في سرد القصص، لكن حياته نفسها قصة غريبة.

ولد "كريستوفر" لأبوين طبيبين في مدينة "فيكتوريا" عاصمة ولاية بريتش كولومبيا في أقصي غرب كندا، عندما كان طفلا تعرض مرارا للتنمر من قبل زملائه في المدرسة، وعندما كان في السادسة من عمره وقع ضحية اعتداء جنسي من شخص مختل عقليا.

عانى الطفل بدنيا ونفسيا، وشخصت حالته على أنها متلازمة عسر الكلام واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، لكن المدرسة تجاهلت شكواه، وأهملت القضية، فكره نظام التعليم، وترك المدرسة في السادسة عشرة من عمره، وأقام دعوى قضائية ضدها حصل بموجبها على تعويض قدره 290 ألف دولار كندي.

علّم "وايلي" نفسه البرمجة، ودرس علوم البيانات من "كين ستراسما" الخبير الاستراتيجي السابق في إدارة "باراك أوباما"، وعمل في حملة "مايكل إجناتييف" السياسي الليبرالي السابق، واشتغل كخبير رقمي في الحزب الليبرالي الحاكم في كندا.

في العشرين من عمره انتقل "وايلي" إلى بريطانيا، ودرس الحقوق في مدرسة لندن للاقتصاد، وعمل مع حزب الديمقراطيين الأحرار، وساعد الحزب في تحديث نظام قواعد بياناته، وترقية آليات استهداف الناخبين في الانتخابات، وطور طريقة للتنبؤ باتجاهات الموضة في الأزياء، وابتكر طريقة لتحليل البيانات الضخمة التي يمكن الحصول عليها من الشبكات الاجتماعية.

في تلك الفترة تعرف على "ألكسندر نيكس"، المدير التنفيذي لشركة "كامبريدج أناليتيكا" للاستشارات السياسية- التي أسستها مجموعة (إس. سي. إل) كفرع لها، وما لبث "نيكس" أن عرض عليه عملا بالشركة التي كانت تعمل مع وزارتي الدفاع الأمريكية والبريطانية في مجال حرب البيانات والمعلومات.

نالت أعمال "وايلي" في "كامبريدج أناليتيكا" إعجاب وتقدير كثير من الخبراء الاستراتيجيين في العالم، ومنهم "ستيف بانون"، والذي كان أحد مديري حملة انتخابات الرئيس الأمريكي "ترامب"- ومستشاره للأمن القومي فيما بعد، والذي كان حلقة الوصل بين الحملة الانتخابية التي كان أحد مديريها، وشركة "كامبريدج أناليتيكا"- التابعة لمجموعة "إس. سي. إل."- التي يعمل نائبا لرئيسها في نفس الوقت، والتي مولها الملياردير اليميني المؤيد لترامب "روبرت ميرسر" بـ16 مليون دولار أمريكي.

تعاون "ستيف بانون" مع "ألكسندر كوجان" - وهو باحث علوم نفسية يعمل في جامعة كامبريدج البريطانية- من خلال شركة خاصة يمتلكها "كوجان" تسمي "جلوبال ساينس ريسيرش" (Global Science Research).

أجرى "كوجان" تجارب اجتماعية ونفسية على مئات الآلاف من المستخدمين الذين كان يتوجب عليهم مشاركة بياناتهم الخاصة على "فيسبوك"، ومن ثم استطاع كوجان التعرف على عاداتهم ورغباتهم، وعن أصدقائهم، دون علمهم أو موافقتهم، ووفر كوجان هذه البيانات لشركة "كامبريدج أناليتيكا" والتي قامت بتحليلها واستنباط شخصية كل مستخدم، وإعداد إعلانات وأخبار ملفقة للتأثير على توجهاتهم الانتخابية بهدف مساعدة المرشح الجمهوري "دونالد ترامب" على الفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

مما يزيد القصة إثارة أن شركة نفط روسية مقرّبة من الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" تعاونت، وقدمت تمويلا لبحوث قام بها "كوجان"، الأمر الذي يغذي مزاعم احتمال تدخل الحكومة الروسية في الانتخابات لصالح ترامب وما قد يترتب على ذلك من كونها غير شرعية.

قال "وايلي" إنه من خلال تطبيق "كوجان" الذي قال عنه إنه "تجربة علمية" وأطلق عليه اسم" هذه هي حياتك الرقمية" (this is your digital life)، استغلت "كامبريدج أناليتيكا" آلية في "فيسبوك" لجمع المعلومات عن المستخدمين وقوائم اتصالاتهم، ومن خلال ما يعرف في علم البرمجة بـ"واجهة برمجة التطبيقات" (API) يمكن لأطراف أخرى غير "فيسبوك" الحصول على تلك البيانات، حتى لو لم يستخدموا تطبيق "كوجان".

وفقا لبيانات الأفراد المستهدفين وقوائم أصدقائهم وتفضيلاتهم الخاصة، يتم تصميم نموذج أو ملف نفسي متكامل لكل ناخب مستهدف، وأخيرا إيجاد السبل المناسبة للوصول إليهم والتأثير في قراراتهم.

وضم فريق العمل بالشركة كتابا ومصممي رسوم ومصورين ومنتجي أفلام، عملوا معا في إنتاج محتوى مضلل بأشكال متعددة حسب اهتمام المجموعات المستهدفة، ونشروا أخبارا مزيفة للتأثير في قرارهم الانتخابي.

وفي عام 2013م كان "وايلي" يدير مشروعا تقوم به الشركة في كينيا لصالح المرشح الرئاسي "أورو كينياتا"- الذي أصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد- على الرغم من اتهام المحكمة الجنائية الدولية له بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، خلال أعمال العنف التي اندلعت في أعقاب الانتخابات الرئاسية التي أجريت هناك في عام 2007م.

يقول وايلي إنه شعر أن العمل الذي تقوم به مثل هذه الشركات ينتهك الحياة الخاصة للبشر، ويصيب الديمقراطية في مقتل، وعاش تجربة رعب حقيقية عن قرب عندما تم قتل زميل له بالسم في غرفته بأحد فنادق نيروبي، وفي العام التالي ترك العمل في "كامبريدج أناليتيكا"، وأبلغ شركة "فيسبوك" بما تفعله الشركة، وقدم مجموعة من الوثائق ورسائل البريد الإلكتروني التي تثبت أن "كامبريدج أناليتيكا" سرقت من "فيسبوك" معلومات ملايين المستهدفين واستخدمتها في حملتي الانتخابات الأمريكية والاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- بريكست.

وذكر أن الحملة الرسمية لدعم التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي استخدمت شركة "أجريجيت آي كيو" الكندية للمساعدة في تحفيز البريطانيين على التصويت لصالح الخروج، وأن الشركة الكندية- المرتبطة بـ"كامبريدج أناليتيكا"- حصلت على البيانات التي سبق جمعها من فيسبوك، وأنها اعتمدت على قواعد بيانات "كامبريدج أناليتيكا" لعملها في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

"روبرت ميرسر"- الملياردير الأمريكي، أكبر المستثمرين في "كامبريدج أناليتيكا"- كان أحد كبار داعمي "حزب استقلال المملكة المتحدة" الذي تزعم حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقدم جميع خدمات "كامبريدج أناليتيكا"- مجانا- لرئيس الحزب "نايجل فاراج" وحملته للخروج من الاتحاد الأوروبي.

قال "وايلي" خلال شهادته أمام البرلمان البريطاني إن "كامبريدج أناليتيكا" استعانت بشركة استخبارات إسرائيلية خاصة- تسمي "بلاك كيوب"- لاختراق حسابات الرئيس النيجيري "محمد بخاري" والوصول إلي سجلاته الطبية ورسائل البريد الإلكتروني الخاصة به، وأنه جرى التعاقد بين "كامبريدج أناليتيكا" و"بلاك كيوب" من خلال شركة "أجريجيت آي كيو" الكندية لاستخدام البيانات التي حصلت عليها "بلاك كيوب" لنشر فيديوهات معادية للمسلمين على فيسبوك بهدف الإضرار بحملة "بخارى"، لصالح المرشح المنافس في الانتخابات "جودلاك جوناثان" الذي كان متعاقدا مع الشركة.

وأضاف أن "كامبريدج أناليتيكا" سعت أيضاً للتأثير على العديد من الحملات الانتخابية في الدول النامية، وأشار إلى أن "بلاك كيوب" الإسرائيلية قدّمت خدماتها للمنتج الفني المعروف "هارفي واينستين" لردع النساء اللواتي اتهمنه بالتحرّش والاعتداء الجنسي، وفي عام 2016 نشرت صحف إسرائيلية وبريطانية أن اثنين من موظفي "بلاك كيوب" قد قبض عليهما في رومانيا، وأدينا بتهمة التجسس على مكتب المفوض السامي وأعلي مسئول لمكافحة الفساد في رومانيا.

يعرف "كريستوفر وايلي" نفسه بأنه "نباتي ومثليّ الميول الجنسية، وينتمي لحزب الأحرار الليبرالي الكندي وحزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني.

ويرى أن التواصل مع الآخرين بات مستحيلا من دون هذه المنصات، لذلك هو لا يدعو إلى حذف فيسبوك وتويتر وغيرهما، بل يدعو إلى ضرورة إصلاحها ووضع ضوابط صارمة لها.

وإلى أن يحدث ذلك، علينا أن نعي جيدا أن تلك المنصات تعرف عنا الكثير، وأن هذا "الكثير" أصبح في أيدي الشركات الخاصة- مادة للتحليل وبناء النماذج وتخطيط الحملات التجارية والسياسية والتأثير في الانتخابات في كل مكان تقريبا.

علينا أن ندرك خطورة هذه الشركات الخاصة على عمل الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والديمقراطية عموما، تعمل هذه الشركات لصالح من يدفع، ومستعدة لاختراق كل القوانين والأعراف لإرضاء الزبون، وتؤكد تجاربها السابقة في جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا، وكذلك في أعتى الدول الديمقراطية كبريطانيا والولايات المتحدة- أنها قادرة على التأثير في الرأي العام وإحداث فارق في نتائج التصويت.

إعلان

إعلان