• الشرع محلل أربعة

    د. جمال عبد الجواد

    الشرع محلل أربعة

    د. جمال عبد الجواد
    09:00 م السبت 20 يوليه 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    يستطيع الرجل، في رأي أغلب الفقهاء، الجمع بين أربع زوجات، فأوجه الجمال في النساء كثيرة، لا يغني الواحد منها عن الآخر. قد لا يعجبنا هذا الرأي، وإن كنا لا نستطيع إنكار أن للجمال أوجه عدة، يصعب ترتيبها وتفضيلها واحدا فوق الآخر. المشكلة هي أن كثيرا من الناس يتفقون مع الفقهاء بشأن تعدد الزوجات، ولكنهم يتعصبون للرأي المعاكس عندما ينتقلون لكرة القدم. ليس لدى مشجعي الكرة ومعلقيها على شبكات التواصل الاجتماعي أي شيء من هذه الرؤية التي تحبذ التعدد، فتراهم يصرون على أن للعرب في مجال الكرة فخر واحد فقط، إما محمد صلاح أو رياض محرز.

    ضيق هؤلاء الأمر على الناس، وانساق الناس ورائهم، فراحوا يصوتون، وراح كل منهم يعدد مناقب لاعبه المفضل، فهذا يجري أسرع، وذاك يشوط أقوى، وهذا مراوغاته أجمل، وذاك أهدافه أكثر، وهذا وصل بفريقه لكأس العالم، وذاك أوصل فرقته لنهائي أمم أفريقيا. إنه العقل العربي الضيق الذي يرفض التمتع بما رزقه الله من سعة، فمنحنا في نفس الجيل لاعبين رائعين، أحدهما جزائري والآخر مصري، فاستكثرنا أن نفخر بهما معا، وأردنا الخسف بأحدهما الأرض، حتى يتألق الآخر وحده في عنان السماء.

    محمد صلاح أم رياض محرز؟ وماذا عن الجزائري اسماعيل بن ناصر، الذي فاز بلقب أحسن لاعب في قمة الكرة الأفريقية، والذي يلعب في أحد أندية الدوري الإيطالي، ألا يصلح أن يكون هو أيضا فخر للعرب. ولماذا نسيتم المغربي حكيم زياش، نجم أياكس الهولندي الذي كاد يفعلها في كاس أبطال أوربا الأخير، ألا يفخر به كل مغربي وعربي أيضا؟ لماذا لا يستطيع العرب الفخر بكل هؤلاء اللاعبين الرائعين في نفس الوقت؟ لماذا هذا التفردن والتفرعن، الذي يشمل منطقتنا كلها، ويذهب بعيدا إلى ما وراء شعب الفراعنة.

    اللاعبان صلاح ومحرز يلعبان رياضة جماعية، يتكون فيها الفريق من أحد عشر لاعبا. الأداء الذي يقدمه اللاعب في كرة القدم ليس فقط ناتجا عما يقدمه من جهد، وإنما أيضا نتيجة لما يقدمه زملائه أيضا، ونتيجة لنضوج وسلامة الكيمياء بين لاعبي الفريق، فالأمر ليس كله ناتج عن موهبة اللاعب النجم وما يبذله من جهد. مع هذا فإن عقولنا الضيقة وثقافتنا المريضة لا ترى سوى أبطالا خارقين في ناحية، وفاشلين في ناحية أخرى؛ أما أن نرى جماعة تعمل في تناغم فهذا خارج نطاق إدراكها.

    انتظر أرجوك، لماذا نتقاتل على نجومية لاعبي الكرة إلى هذه الدرجة، هل بلغنا من التفاهة والخواء إلى درجة أنستنا أن هناك في الحياة ما هو أهم من الكرة بكثيرة، وأنه من الأليق بنا أن نضن بألقاب التفخيم على التفاهات، وأن نقصر منحها على أسباب أكثر قيمة من مجرد المحاورة بالكرة أو التسديد على المرمى. أليس نجب محفوظ فخرا للعرب؟ ألا يفخر العرب بأحمد زويل وأم كثلوم؟

    العقل العربي عقل احتكاري تسلطي أحادي لم يفهم بعد معنى التعدد، ولم يقبله كقيمة فاضلة. لو أردت البحث عن سبب الاستبداد المخيم في بلادنا، وعن عجزنا شعوبنا المتكرر عن ارتقاء سلم الحكم الديمقراطي، فإن رفض التعدد هو الأساس الثقافي للاستبداد.

    العقل العربي مازال متأثرا بعقلية القبائل العربية التي تتفاخر بالعلو والتسيد، كذبا وفشرا. أبواب الفخر والحماسة والتفاخر بالأنساب هي من أهم أبواب دواوين الشعر العربي، وأكم من الحروب قامت بين قبائل العرب بسبب هذا التفاخر الفارغ، وهذا الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم يفخر بقبيلته تغلب، في أشهر أبيات التفاخر العربي الفارغة، فيقول

    لنا الدنيا ومن أضحى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا

    إذا بلغ الفطام لنا رضيع تخر له الجبابر ساجدينا

    ألا يذكرك كل هذا بما يجري اليوم بين الصلاحيين والمحرزيين، أليست هذه هي العقلية العربية نفسها لم تتغير، حتى بعد أن هجرنا ساحات الوغى إلى المستطيلات الخضر.

    إعلان

    إعلان

    إعلان