•  التطاول: رمضان كشفكم على حقيقتكم

    محمد حسن الألفي

    التطاول: رمضان كشفكم على حقيقتكم

    محمد حسن الألفي
    10:23 م الثلاثاء 04 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    سوف يسجل تاريخ المصريين المعاصرين أنهم تعاملوا المعاملة الأسوأ مع شهر رمضان المبارك في العام الهجري ١٤٤٠، وفي العام الميلادي ٢٠١٩، على نحو لم يحدث من قبل في تاريخ الاحتفاء بقدوم ورحيل شهر عظمه الله، وعده شهره، وجعل صيامه وثوابه له وحده-سبحانه وتعالى.

    في كل عام يتهيأ الخلق فرحين لاستقبال شهر رمضان. الاستعدادات كلها مرتبطة بالزينة والأكل. زينة في الشوارع والمساجد ومداخل البيوت، وأكل بلا حدود، وهلك بلا قيود. وأغانٍ رمضانية بصوت محمد عبدالمطلب (رمضان جانا وفرحنا به هل هلاله أهلا رمضان)، وغيرها وغيرها، ولا يكون رمضان جاء وشرف الديار إلا بعد فتوى المفتي وبث أغنية عبدالمطلب الأشهر في تاريخ التهليل لمقدم الشهر الفضيل.

    رحبنا به، إذن، ومنحنا الله أسبوعًا خريفيًا لطيفًا في أوله، فشكرنا، وحمدنا، وفي الأسبوع الثاني انفتحت نوافذ حارة من جهنم، تركز حميمها على مصر فبلغت الحرارة خمسين درجة مئوية، فاستمسك المصريون بالصبر طمعا في الثواب، وتمدد الحر الساخن اللافح لأكثر من عشرة أيام.

    ومع اقتراب العشر الأواخر، بدأ القوم يتفقدون ليلة القدر، ويتفقدون ظهور هلال شوال مع اقتراب ليلة التاسع والعشرين. كان المصريون تعلقت آمالهم بالموعد الفلكي للعيد، واستعدوا نفسيًا ومنزليًا لآخر سحور (ليلة التاسع والعشرين) وفرحوا لما الإمارات والسعودية والكويت أعلنت الإفطار اليوم الثلاثاء، وقلنا نحن في تحالف حتى في الإفطار وفي العيد.

    ومن الساعات الأولى ليومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين أخذ الناس يتململون ويستحثون رمضان على الرحيل. في قلة ذوق ونقص دين فاضح وقع تطاول على الشهر. استقبلناه بالزغاريد، وفي آخره عامله الشعب معاملة الضيف الثقيل. وغمز ولمز لا يجوزان.

    لو كان رمضان رجلًا لأنزل علينا وابلًا من التبكيت والمؤاخذة، ولفضح سرائر نفوسنا، وأعلن ما نعلمه جميعا، ونكتمه جميعا، في صورة اتفاق صامت:

    المظهرية هي شهوتكم! تصومون مظهريًا وسطحيًا، ولو كنتم فرحين حقا بي لواصلتم الاحتفاء في النهاية كما بدأتم بها.

    لو كان رمضان رجلا لرمانا بالنفاق والجشع والكسل والعصبية. صفات حقيقية تلازمنا طوال الشهر، فنحن نأكل كالمفاجيع، ونهلك المخزون، وننفق بعبط، وندعي الفقر، ونحن مسطوحون أمام شاشات التليفزيون، ولولا رحمة من ربك جعل بها الموسم الدرامي فاشلًا غبيًا كأصحاب القرار فيه، لخلت الجوامع!

    أما رمضان حولنا، فالمسكين في ذهول. نحن أظهرنا الرغبة في الرحيل العاجل له، لكن مسلمين حولنا جعلوا هلال شوال يظهر أو لا يظهر حسب الصراع السياسي فيهم!

    اليمن نصفها واصل الصوم، ونصفها أفطر اليوم. وفي السودان أفطرت المعارضة، وصام المجلس الانتقالي.

    لا أظن أن هذا الشهر الكريم تعرض لمثل هذا التمثيل به من قبل إلا في فترات شديدة الظلام، نحن نقترب منها.

    التطاول كان واضحًا وسمجًا، وفيه استظراف، وتنكيت، ولما ألقى المفتي فضيلة الشيخ الدكتور شوقي علام بيانه القاضي بأن العيد سيكون الأربعاء، وأن الثلاثاء هو المتمم لشهر الصيام، ساد شجن.. في أقل الكلمات تعبيرا ولن أقول حزنا للأسف. ناس كثيرة سافرت للمصيف، وناس اعتبرت آخر سحور كان أمس، وناس حجزت الكوافيرات، وناس قالت لا طبخ بعد اليوم.

    إسقاط الهيبة عن الثوابت يمهّد للتحلل من فروضها المقدسة، وإسقاط الوقار عن الشعائر وإلباسها لباس المزاح والسخرية وخلطها بالاستظراف والابتذال السياسي- يحرث الأرض لنبذ الفريضة التي كتبها الله علينا وعلى من كانوا قبل الإسلام .

    أربع وعشرون ساعة أخرى من الصيام فتنت الناس والمجتمع، وكشفت عوراتهم الدينية والنفسية، وأبرزت روح الادعاء سافرة.

    وبعد يومين، وبعد العيد.. تنهال الدعوات: اللهم اجعلنا من عواده... وأعطنا العمر لنستقبله العام القادم!

    هذا نفاق معتاد ممجوج مكرر... رمضان كشفكم على حقيقتكم.

    إعلان

    إعلان

    إعلان