• في ذكرى أحمد عبدالله رزة (3) من الجامعة إلى معسكر الدّراسة

    محمود الورداني

    في ذكرى أحمد عبدالله رزة (3) من الجامعة إلى معسكر الدّراسة

    محمود الورداني
    09:00 م الخميس 27 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    أواصل هنا ما سبق أن بدأته حول الدور الذي لعبه أحمد عبدالله رُزة في ذكرى رحيله التي مرّت دون أن يحفل بها أحد، على الرغم من أنه كان أحد أهم الزعامات في تاريخ الحركة الطلابية المصرية، وانعقد له إجماع كل أطياف تلك الحركة، وجرى انتخابه رئيسًا للجنة الوطنية العليا للطلاب التي قادت أهم وأخطر الاعتصامات في تاريخ الانتفاضات الطلابية.

    وكنت قد توقفت عند اقتحام المدرعات لبوابات جامعة القاهرة في فجر 24 يناير، وحصار الطلاب المعتصمين، وكان الأخيرون قد استسلموا للنوم بعد عدة ليال من السهر المتواصل، مطمئنين إلى الاتفاق الذي عقده ممثلوهم مع مسؤولين في الدولة والبرلمان، على فض الاعتصام بعد إذاعة بيان اللجنة وحضور السادات للإجابة عن تساؤلاتهم، لذلك كان اقتحام الجامعة يعني أن هناك مؤامرة رخيصة لفض الاعتصام.

    ودار حوار قصير بين رُزة، الذي هرع إلى المسرح ومعه أعضاء اللجنة الوطنية العليا لتهدئة الطلاب والحيلولة دون استخدام العنف الذي قد يؤدي إلى سقوط ضحايا، وبين صوت لم نشاهد وجه صاحبه، إلا أنه عرّف نفسه بأنه قائد القوة، وطلب خروج المعتصمين في طابور واحد ة بهدوء، وأجابه رُزة بطلب ورقة موقعة مشار فيها إلى أن الاعتصام خرج سلميا (وقد فهمتُ فيما بعد معنى تلك الورقة التي تمثل ضمانة للطلاب فيما لو تم الاعتداء عليهم بعد فضّ الاعتصام) لكن قائد القوة رفض بحسم قائلا إن الاعتصام غير قانوني، وسيتم الذهاب بالمعتصمين إلى وزارة الداخلية، ومن هناك يُطلق سراحهم .

    ومع ذلك ظل احتمال حدوث اشتباكات قائما أثناء خروج أعداد تصل إلى قرابة ألف طالب وطالبة، ولولا ثبات رُزة وزملائه من أعضاء اللجنة العليا وتنظيمهم للخروج الهادئ المنظم، لكان في حكم المؤكد أن يؤدي التوتر إلى أحداث عنف، حسبما بدا من تسليح قوات الاقتحام التي شاهدناها، ونحن نخرج في طابور طويل يمتد مئات الأمتار، من أبواب قاعة الاحتفالات وحتى السور الخارجي لحديقة الأورمان، بين صفين من الجنود المتلاصقين ووجوههم إلى الداخل.

    وكاد الاشتباك يحدث، عندما رفع أحد الطلاب صوته بالهتاف، فنهره الضباط، واستبدل الطلاب الهتاف بصفير جماعي بلحن نشيد بلادي بلادي، وكان صوت الصفير قويا وعاليا في هدأة الساعات الأولى للفجر.

    ركبنا لوريات كانت تنتظرنا، وتحركنا في طابور طويل لنعبر كوبري الجامعة، حيث تم إحكام غطاء اللوريات علينا حتى لا نتعرف على الطريق، إلى أن وصلنا إلى ما علمنا أنه أحد معسكرات الأمن المركزي في الدراسة.

    وعلى الرغم من أننا كنا عديمي الخبرة تماما وتدور أعمارنا حول أوائل العشرينيات إلا أننا صمدنا يوما كاملا بلا طعام أو دورات مياه، محبوسين في عنابر خالية تماما ومغلقة بطبيعة الحال والأهم دون أن نجد من يرد على أسئلتنا أو يفسرّ لنا ما ينتظرنا من مصير غامض، وحاولوا شغلنا بتسجيل أسمائنا في كشوفات، تكرر كتابتها عدة مرات، حتى مللنا منها وأدركنا أنه مسألة عبثية تماما .

    وفي نهاية اليوم، كنا قد أنهكنا بل وسقطت بعض زميلاتنا وأصبن بالإغماء، في الوقت الذي كان الليل قد تقدم، وضاعف من كآبة اليوم الطويل الذي كنا قد بدأناه مبكرا جدا، فقد كانت العنابر التي أقمنا فيها بلا إضاءة.

    في الأسبوع القادم أواصل رحلة أولئك الطلاب الطويلة الشاقة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان