بين اتفاق السلام وصفقة القرن

لميس الحديدي

بين اتفاق السلام وصفقة القرن

لميس الحديدي
11:35 ص الإثنين 18 مارس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

فيما تقترب الذكرى الأربعون لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية والتي وقعها في ٢٦ مارس ١٩٧٩ الرئيس الراحل أنور السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجين بحضور الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والتي زلزلت العالم وغيرت شكل المنطقة، تظهر على السطح بين الحين والآخر تسريبات من الأوساط السياسية الأمريكية عما يطلق عليه "صفقة القرن".

فهل تكون تلك "الصفقة" زلزالاً آخر يعيد ترتيب المنطقة ويحل أعقد وأقدم صراعاتها (القضية الفلسطينية)، أم إنها مجرد مناورة سياسية أمريكية إسرائيلية تستهدف شغل الرأي العام بينما المآرب الإسرائيلية تتحقق على الأرض بحماية أمريكية؟

والحقيقة أن المقاربة بين أول اتفاق سلام تعقده إسرائيل مع دولة عربية (هي الأكبر) وبين صفقة لا نعرف عنها إلا القليل، لا تبدو مقاربة سهلة. فنحن الآن نعرف الكثير عن اتفاق السلام: ما قبله وما بعده، أسبابه ونتائجه، لكننا نبحث جميعًا عن سر "صفقة القرن" أو الوصفة السحرية السرية التي سيخرج بها ترامب وصهره لتبهرنا جميعًا بحل كل مشكلات المنطقة التي دامت لعقود بين ليلة وضحاها.

ويبدو أن أصحاب الصفقة يتمثلون أنفسهم أحيانا في مكان الرئيس السادات الذي وقف في الكنيسيت الإسرائيلي (قبل اتفاق السلام بستة عشر شهرًا) متحديًا أصدقاءه قبل أعدائه، مبهرًا بشجاعته العالم أجمع ومناديًا بالسلام الذي لم يدر في خلد أيٍ من معارضيه أو من قاطعوا مصر لعشر سنين. دفع السادات حياته ثمنًا للاتفاق وثمنًا لرؤية سبقت كثيرين، لكنه أعاد الأرض ممهدًا الطريق بعد ذلك للتنمية والاستقرار. ولاحقته دول عديدة بعد سنوات بخطوات مماثلة (الاْردن عام ٩٤) وتلتها محادثات مباشرة في مدريد وأوسلو ثم المبادرة العربية وخطوات للوصول إلى حل نهائي لم تتحقق بعد.

حلت اتفاقية السلام "عقدة" مصر وإسرائيل وتمكنت من الاستمرار أربعة عقود رغم ما هب حولها من أعاصير، ببساطة؛ لأنها قامت على شجاعة رجل قرر أن يقتحم المستحيل ويغير مجرى التاريخ ليحقق أمن بلاده، فمن سيحمل تلك الشجاعة الآن؟ كما كانت أسس التوازن الدقيق بين مصالح الأطراف المشاركة - بغض النظر عن معايير القوة - حاكمة في اتفاق السلام المصري الإسرائيلي لتمنحه رسوخًا ربما لم يتوقعه كثيرون في المنطقة. فهل تأتي "صفقة القرن" بمثل هذا التوازن، أم أنها تمنح الأرض وما عليها للأقوى، بينما على الضعفاء أن يقنعوا بالفتات؟

اتفاق السلام المصري الإسرائيلي استهدف وبوضوح الأرض مقابل السلام وهو ما تم تنفيذه بكل دقة (رغم أن السلام بقي لليوم سلامًا رسميًا باردًا لا علاقة للمصريين بتحقيقه)، أما "صفقة القرن" فمن غير الواضح ماذا تستهدف! فرغم حديث كوشنر عن "خطة سياسية شديدة التفصيل تتضمن تعيين الحدود وحل قضايا الوضع النهائي" فإن أحدًا ممن يروجون للصفقة السرية لا يذكر شيئا عن حل الدولتين أو القدس الشرقية وهي أسس فلسطينية عربية لا يمكن التراجع عنها في أي اتفاق أو أي مفاوضات. واستبدل الكلام عن الدولة الفلسطينية بعبارات مثل مبادئ "الحرية، الكرامة والأمن" (حوار كوشنر مع سكاي نيوز عربية). ما يعيد للأذهان طرح فكرة الدولة الواحدة التي يجتمع فيها الفلسطينيون والإسرائيليون ويتمتعون بنفس الحقوق والواجبات فتحقق الأمل للفلسطينيين- طبقا للمفهوم المطروح- بالعيش على أرضهم بكرامة وتفتح لهم آفاقًا للمستقبل!

ويلوح المروجون للصفقة بعصاة الرفاه الاقتصادي، فتتناثر الأحاديث حول عشرات المليارات (معظمها خليجية) ستنهمر كاستثمارات على الضفة الغربية ومصر والاْردن ولبنان، ظنًا منهم أن تلك المليارات ستعوض شعبًا عاش عقودًا تحت نير الاحتلال وشيع مئات الآلاف من الشهداء فتستبدل حلمه بالدولة بحلم العيش الرغد، وتحفز دولاً مثل الاْردن ومصر لكي تفتح أبوابها للاجئين الفلسطينيين الذين لن يجدوا مكانًا في أرضهم (بديلاً لحق العودة).

تلك مجرد تسريبات غير مدققة ولا توجد طريقة للتأكد منها حتى تعلن عنها الإدارة الأمريكية عقب الانتخابات الإسرائيلية كما قالت. لكن المذهل في هذا الطرح أنه يعتمد وبقوة على فرضية تراجع أهمية القضية الفلسطينية لدى الشارع العربي. "فالنظرة السائدة لدى أوساط الإدارة الأمريكية تقضي بأن إسرائيل لم تعد العدو الأول للشعوب العربية كما كان الأمر في السابق، خاصة وأن ستين بالمائة من سكان المنطقة شباب لم يعرف الحروب مع إسرائيل، وبالتالي فهو مهيأ للسلام أكثر من أي وقت مضى "تحليل قاله لي أحد الخبراء الأمريكيين كان في زيارة أخيرة للقاهرة. فهل هذا حقيقي؟

قد لا يكون لدينا طريقة علمية لقياس مدى دقة ما قاله الأستاذ الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، فردود الأفعال عقب نقل السفارة الأمريكية إلي القدس كانت محدودة و"محكومة" بظروف منع التظاهر في دول عربية عديدة بعد أحداث الربيع العربي، وهكذا كانت ردود الأفعال الأوسع في الدول الإسلامية غير العربية. كما أن انشغال دول المنطقة بمشاكلها المتفاقمة وأزماتها الداخلية الطاحنة وعجز القمم العربية المتلاحقة عن اتخاذ أي قرارات أو إجراءات في مواجهة التغول الإسرائيلي، ربما أعطي انطباعًا عامًا بأن القضية الفلسطينية لم تعد في مقدمة اهتمامات الشعوب العربية.

لكن الواقع يقول وبقوة عكس كل تلك الانطباعات. فالمصريون مثلا، وبعد أربعين عامًا على السلام مع إسرائيل لم يطبعوا علاقاتهم مع إسرائيل بالشكل الذي توقعه الزعماء الثلاثة وهم يوقعون الاتفاق حينها، حتى أن الأمر أصبح مثار أفلامٍ كوميدية. وشباب المصريين على الأخص وهم الفئة التي يتحدث عنها المحللون بأنهم فقدوا اهتمامهم بالقضية الفلسطينية، هم أكثر الفئات رفضًا للتطبيع رغم أنهم لم يعايشوا أيًا من الحروب بين البلدين. فالقضية الفلسطينية هي قلب الضمير الوطني المصري والعربي مهما تعاقبت الأجيال .

بل إنني يمكن أن أتجاوز لأقول إن القضية الفلسطينية هي في القلب من شرعية الأنظمة العربية. فمهما كان الصمت أو عجز النظام الرسمي العربي عن مواجهة التغول الإسرائيلي ومهما كان الانكفاء على القضايا المحلية، فلا أتصور أن تخرج أي قيادة عربية لتطالب الفلسطينيين بأن ينسوا حلم دولتهم ويكتفوا بالحصول على جواز سفر يسمح لهم بحرية الانتقال والعيش بأمان في ظل دولة مشتركة! تلك ليست شجاعة يمكن مقارنتها بما فعل السادات، لكنها انتحار سياسي.

وهكذا ينتظر الجميع- بما فيهم الدول العربية – ما ستخرج به صفقة القرن - إن كانت موجودة بالفعل - لكن المؤكد أن تلك الصفقة، أو ما رشح منها على الأقل لا تشبه في أي من تفاصيلها اتفاق السلام الذي يتذكره العالم بعد أربعين سنة هذه الأيام. فهذا العصر لم يأتِ بسادات آخر، وموازين السياسة "الترامبية" ترتكز على موازين القوة وليس على تحقيق مصالح متوازنة وحقيقية لكل الأطراف.

لكل ما سبق أظن أنها ستكون أقرب "للفنكوش" من اتفاق سياسي عاقل.

*****

إلى ضياء رشوان: انتخبت ضياء رشوان نقيبًا للصحفيين وسعيدة بفوزه بالمنصب، في إحدى أصعب الفترات التي تمر على مهنتنا. فالصحافة المصرية تعاني من مشكلات عضوية وخارجية تجعل القارئ ينصرف عنها ويستقي معلوماته من مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من غيرها. أتمنى أن يبدأ النقيب حملة إنقاذ المهنة. فأصحاب المهنة من ناحية يحتاجون إلى مزيدٍ من التدريب والالتزام بقواعدها، وأجهزة الدولة من ناحية أخرى تحتاج أن تقتنع أن الصحافة الحرة – وليس صحافة الرأي الواحد- هي الداعم الرئيسي للاستقرار. فنحن في عصر لا يمكن فيه حجب المعلومة أو الرأي، فإن فقدنا موقعنا كمصدر لهما، بحث عنهما المواطن في أماكن أخرى، قد تكون مشوشة أو تكون معادية، ثم نعود ونسأل لماذا لا يصدقوننا ولماذا ينصرفون عنا. الصحافة الحرة هي حجر أساس الدول الحديثة وحق المواطن في المعرفة هو حق أصيل لا يمكن تغييبه. ضياء رشوان أعرف أن أمامك مهمة صعبة، لكنك أهل لها.

إعلان

إعلان