• شمس الإتربي.. شَـمْـسُـكِ لن تغيب

    الكاتب الصحفي علاء الغطريفي

    شمس الإتربي.. شَـمْـسُـكِ لن تغيب

    علاء الغطريفي
    09:00 م الإثنين 28 يناير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    علاء الغطريفي

    كأنها تصرخ في البرية ساخطة يحركها عنفوان الثائر ويلازمها جسارة المتمرد رغم أن المشهد يحدث في بيتٍ أشبه بقصر تحوطه الأشجار ويلامس أطرافه بركة للسباحة وتلمح في الطرقات الخدم والحشم وتبعات بيوت الأغنياء.

    أندهش وأتصور أنني جالس داخل أوراق روايةٍ أو كتابٍ أسطوري عن النبل الذي يحرك غنيًا ليحدثني عن الفقراء والتغيير والعدل والحرية والانتماء، بالتأكيد ليست الوطنية حكرًا على أحدٍ. لكنها بلادنا فالحاجة تحركنا ومن لا حاجة له فلا تلزمه أسبابٌ؛ ليتحرك أو يدافع عن قيمة التغيير أو الرغبة في الإصلاح.

    تلك الصورة التقليدية التي تسيطر على المخيلة لا تدوم في لحظات حضورها، فهنا تشعر بأنك جالسٌ في حضرة سيدة من "مِلح الأرض" وهذه الأجواء المترفة لم تغير فيها شيئًا، فهذا الإنسان الذي أمامكَ ليس سوي مصرية آمنت بهذه الأرض وعبدت هذا التاريخ وتمسحت بأعتاب الوطن ورأت نفسها امتدادًا لما رأته في طفولتها وشبابها من معانٍ عن ذلك الشعب وتلك التضحيات وهذه الحضارة.

    " شمس" وهي شمس أيضا، شمس لا تضاهيها في الحماسة، تحلم أن تقترب من مبادئها أو تصنع صنيعها، فكيف لكَ بهذا الصوت وهذا الصدق وتلك الروح التي لا يبتغي منها إنسانٌ سوي الحرية.. الحرية عندها شمس أيضا حتى لو غابت تستدعيها، فذلك الوهج الإنساني دائم كنارٍ مجوسية مشتعلة للأبد.. هكذا هي وهكذا كانت.

    شمس الإتربي، بنت العائلة العريقة التي تلمح بين قسماتها التي لم يغادرها الشباب رغم أن العمر تجاوز العقود الست، وجدتها بيننا برغم الرحيل، فالمكان دار الأوبرا، والمناسبة "جائزة مؤسسة ساويرس الثقافية"، رأيتها هناك في جنبات الدار العريقة وعند كل نداءٍ عن فائزٍ بفرعٍ من فروع الجائزة، رأيتها في الكلمات، رأيتها في الاحتفاء، رأيتها في فرحة الوجوه الفائزة، رأيتها في كل بناءٍ يمتد ويعلو بسبب سحر الكلمة، الكلمة التي رغبت أن تكون حلمها فكانت الجائزة.

    شمس.. خلقت الجائزة من رحم أحلامِكَ فصارت واقعًا، للكلمة جائزة، للإبداع منصة، للحرية جائزة، كما رغبت تمامًا، الحلم أصبح مؤسسة، الميراث يكبر، والغرس واجب الحصاد، الحصاد وجوه شابة مستبشرة ووجوه الكبار نضرة، والروح روحُكِ سادت المكان، عفية مثلما كنتِ، ملهمة مثلما فعلتِ، قوية مثلما أردتِ.

    شمس، سيندم من لم يعرفكِ، سيندم من لم يطالع بسمتكِ، سيندم من لم يتعرض لإخلاصكِ، سيندم من لم يلتقِكِ.

    هناك في الأوبرا كان اليوم 25 يناير، يومُكِ يا بنت يناير، يومُكِ يوم الجائزة، شمس لقد اشتقنا إليكِ، وأتذكر ذلك الطبق الذي كان يغازلني بجوار أكواب الشاي، وتمنعني عنه قسوة الريجيم ولا يكسره سوي كرم حاتمي يدفعني دفعًا إليه.

    شمس.. كلما التقيتك أشعر بأنكِ خرجتِ للتو من كتابٍ للتاريخ أو روايةٍ لنجيب محفوظ، وأجدني أراكِ محلقةً مثل طيرٍ جانحٍ يرغب في الحرية فقط، لن نصادف مثلكِ، وعذرًا على التأخر في الكتابة عنكِ وعذرًا على الانقطاع قبل الرحيل.

    عندما بكى سميح ساويرس عند ذكركِ بوصفكِ صانعة الجائزة وصاحبة الحلم الإبداعي "جائزة مؤسسة ساويرس الثقافية"، تذكرتُ تلك الضحكة المجلجلة التي كانت تملأ المكان بضجيج الألفة والرضا، وترددت في أذني كأنكِ معنا، تحتفين وتحتفلين بحلمكِ.

    هنا أراني أكتب مثل عبدالرحمن منيف "قد لا تكون بلادنا أجمل البلاد، لأن هناك -بالتأكيد- بلداناً أجمل، ولكن في الأماكن الأخرى أنت غريب وزائد، أما هنا فإن كل ما تفعله ينبع من القلب ويصب في قلوب الآخرين وهذا الذي يقيم العلاقة بينك وبين كل ما حولك؛ لأن كل شيء هنا لك.. التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان يحس بالانتماء والارتباط والتواصل.

    شمس.. لقد كنتِ كذلكَ ولهذا ولذلكَ.. تفاصيلك باقيةٌ راسخةٌ.

    الجائزة شمسُكِ.. شمسُكِ لم تغب.. شمسُكِ لن تغيب.

    شمس الأتربى

    شمس الأتربي مع ابنها عباس أبوالحسن

    إعلان

    إعلان

    إعلان